بقلم رئيس التحرير

استغلال الملفات الساخنة “الملف النووي الايراني انموذجا”

بقلم رئيس التحرير الاستاذ محمد بن سعيد الفطيسي

ويستمر تأجيج الوضع في الشرق الاوسط , حيث تتسع مساحة الشد والجذب بين جميع الاطراف المباشرة وغير المباشرة حيال الملف النووي الايراني كل يوم , وما يؤسف له ان اطراف الازمة نفسها وبينما يفترض عليها تسوية هذا النزاع بالطرق السلمية السياسية , لتجنيب المنطقة ويلات الحروب والصراعات التي بلا شك سيكون الجميع خاسر ومتضرر منها جدا , خصوصا دول المنطقة وشعوبها , تتجه كل يوم الى تصعيده وتوسيع دائرة الخلافات والتجاذبات حوله عبر اخذه الى ما يطلق عليها بسياسة حافة الهاوية , بينما تتداخل مصالح بعض الاطراف الخارجية الاخرى غير المباشرة مع هذا الملف لاكتساب اكبر قدر ممكن من الاوراق الرابحة من وجهة نظرها ولو كان ذلك على حساب رفع منسوب التوتر والفوضى وحالة عدم الاستقرار في الشرق الاوسط .

وما يلاحظ كذلك على هذا الملف ان اطرافه لا تثق في بعضها البعض مطلقا , الامر الذي يضع معظم الحلول السلمية المطروحة ولو كانت ايجابية في دائرة السلبية والشك والريبة دائما , حيث سرعان ما تصطدم بعقبات من الانفعالات غير المحسوبة , والنوايا السيئة , واستغلال اي نقطة ضعف لأي طرف , وهو امر خطير جدا , لأنه على الارجح ان هذا الملف وبهذا الشكل لن ينتهي ابدا , بل سيستمر اطرافه في التعاطي معه عبر المزيد من الشك والريبة وعدم الثقة , حتى يصل الى نقطة خطيرة جدا , فلا احد يعلم ما يمكن ان ينتج عن تحويل ملف بهذا الحجم والخطورة الى ورقة للابتزاز ان صح التعبير حول ملفات اخرى , او ورقة للضغط للحصول على مكاسب سياسية او اقتصادية .

صحيح ان نظرة عامة من اعلى على هذا الملف توحي بان كلا الطرفين اي الولايات المتحدة الاميركية والجمهورية الايرانية تملكان من اوراق القوة والضغط ما تجعل الطرف الاخر يفكر عشرات المرات قبل ان يتجرا على التحرك باتجاه الحرب , والدليل على ذلك ان هذا الملف وبالرغم من المراحل التصعيدية الخطيرة التي مر بها عبر اكثر من عقد من الزمن , الا انه لم يكن بالقدر الذي يمكن ان يقال عنه انه وصل الى نقطة النهاية , او ان ساعة الصفر قد دقت للاتجاه نحو الحرب المباشرة , رغم مرور العالم بكثير من مشاعر الرعب والخوف في كثير من الاوقات التي استشعر فيها بعضنا اقتراب تلك اللحظات التي ستشتعل فيها المنطقة .الا ان المشكلة تكمن في تلك الحسابات الغير محسوبة , حيث احتمالات الطيش والتسرع او ان يتسبب الضغط بالضغط عن طريق الخطأ او الانفعال على بعض الازرار التي يمكن ان تدفع بهذا الملف الى ما لا يحمد عقباه .

اذا وحتى اللحظة يبدو ان هذا الملف اشبه بتفاوض طرفين يملكان من الاوراق الرابحة التي تجعل كل منهما لا يرغب في الدخول الى نفق المواجهة , ولكن بكل تأكيد وبالرغم من ذلك فهناك اعتبارات دولية لا يمكن القبول بتمريرها هكذا , كامتلاك ايران للسلاح النووي . ولكن في ذات الوقت لا يبدو ان هذه الاخيرة يمكن ان تقبل بغير تسوية نهائية لهذا الملف وهو حق مشروع لها كذلك , وما زاد الطين بلة , هو انسحاب الولايات المتحدة الاميركية من الاتفاق النووي مع ايران , الامر الذي يدفع هذه الاخيرة الى عدم الثقة باي اتفاق او تسوية سياسية قادمة , في وقت بدأت ايران تخسر فيه كذلك بقية اطراف التسوية بسبب تجاوزها النسبة القانونية المسموح لها بها تخصيب اليورانيوم , وهو ما زاد من عقد هذا الملف .

اخيرا يمكن ان نخلص مما سبق الى السيناريو التالي هو السيناريو الاقرب الى الحدوث على المدى القصير على اقل تقدير : حيث ستحاول ايران الان العودة الى اللعب من جديد على الورقة الاخيرة للضغط على الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا وهي ورقة تجاوز النسبة المسموح لها بها في تخصيب اليورانيوم , الامر الذي سيدفع الغرب وبقية دول العالم للضغط على الولايات المتحدة الاميركية الى احداث تسوية جديدة مع ايران ولو كانت بشكل ثنائي يوافق عليه بقية الاطراف , كملحق يضاف الى الاتفاق النووي السابق مع ايران , بينما في ذات الوقت ستستمر الولايات المتحدة الاميريكية في اللعب على شماعة الملف الايراني لرفع منسوب الخوف من ايران للحصول على اكبر قدر ممكن من الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية مع دول المنطقة , كذلك عبر نشر اكبر قدر ممكن من القواعد العسكرية تحت ذريعة حماية الشرق الاوسط من هذا الخطر , وهو جانب كذلك سيضغط على ايران للتهدئة والسعي نحو اعادة مسار هذا الملف الى الحال الذي كان عليه قبل انسحاب الولايات المتحدة الاميركية منه .

وما يؤيد هذا المسار على اقل تقدير وبالإضافة الى ما سبق التطرق اليه هو ان بعض القوى الكبرى كروسيا والصين ترفض اي تسوية عسكرية او قسرية لهذا الملف , الامر الذي بلا شك سيدفع بطريقة او بأخرى الى تسويته بالطرق السلمية عبر وصل المفاوضات التي انقطعت بين اطرافه من جديد خلال الفترة القادمة , وباعتقادي ان هناك تسويات سياسية قائمة بين اطراف هذا الملف ربما سيعلن عنها لاحقا , والايام القادمة ستكشف بعض تفاصيلها رغم حالة الشد والجذب المفتعلة والمقصودة من قبل اطراف هذا الملف للحصول على اكبر قدر ممكن من الاوراق الرابحة والمكاسب السياسية والامنية .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


إغلاق