مجلة ومجتمع السياسي

  • Full Screen
  • Wide Screen
  • Narrow Screen
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
تحليلات وآراء الوثيقة المنسية (وثيقة كامبل تبرمان)


الوثيقة المنسية (وثيقة كامبل تبرمان)

إرسال إلى صديق طباعة PDF
لا ندري عدد السياسيين العرب الذين اطلعوا على وثيقة كامبل أو أدركوا مخاطرها في التأسيس للدور الاستعماري والهيمنة الغربية على وطننا العربي والدول الإسلامية منذ ما يزيد عن مئة عام وحتى الآن .

الوثيقة عبارة عن رسالة صاغها اللورد هنري كامبل رئيس وزراء بريطانيا بين عامي (1905 – 1908).وبعث بها إلى الجامعات البريطانية والفرنسية لدراستها، وقد أصدرتها هذه الجامعات عام 1907 تحت اسم (وثيقة كامبل).وهي تتضمن خطة غربية (بريطانية) تتيح للحضارة الغربية استمرار السيطرة على العالم.

وقد بقيت الوثيقة حبيسة الأرشيف البريطاني، ولم يفرج عنها سوى لمدة أسبوعين فقط ثم أعيد سحبها من جديد ؛ خوفاً من آثارها المحتملة على العلاقات البريطانية مع العالم ، لكن كثيرا من المراكز البحثية والمواقع اقتنصتها وعمّمتها.

ترى الوثيقة : إن من واجب بريطانيا تقسيم العالم إلى ثلاث مساحات ليسهل التعامل معه.

المساحة الأولى : هي المساحة الغربية التي تنتمي إليها والتي عليها أن تبقي زمام السيطرة على العالم بيدها.

المساحة الثانية : هي المساحة الصفراء ( ربما كانت نسبة للعرق الأصفر) التي لا ترى آنذاك أنها تنافس الحضارة الغربية أو تتناقض معها ، بل يمكن غزوها ثقافياً نظراً لهشاشة ثقافتها (حسب الوثيقة) مع التعامل التجاري معها.

المساحة الثالثة : المساحة الخضراء ، وتدعي الوثيقة " أن اللون الأخضر هو لون (الشر) في الثقافة الغربية .

هذه المساحة التي تحتوي على منظومة قيمية ودينية منافسة للمنظومة الغربية المسيحية التي صارعتها في مناطق كثيرة وأخرجتها من بعضها ".

وتؤكد الوثيقة على " أن من واجب الحضارة الغربية أخذ الاحتياطات والإجراءات لمنع أي تقدم محتمل لهذه المنظومة الثقافية أو إحدى دولها لأنها مهددة للنظام القيمي الغربي، ولا بد من التعامل معها وفق الإجراءات التالية : 1 - حرمان دولها من المعرفة والتقنية وضبطها في حدود معينة .

2 – إيجاد أو تعزيز مشاكل حدودية متعلقة بهذه الدول .

3 – تكوين أو دعم الأقليات بحيث لا يستقيم النسيج الاجتماعي لهذه الدول، ويظل مرهوناً بالمحيط الخارجي .

إن المتابع للسياسة البريطانية ومجمل السياسات الغربية فيما يتعلق بالوطن العربي وبعض الدول الإسلامية منذ ذلك التاريخ يجد أن هذه الوثيقة أسست لوعد بلفور عام 1917 بمنح وطن قومي لليهود في فلسطين، وأقامت دولة إسرائيل في قلب الوطن العربي كجزء من منع وحدته وتقدمه .

كما أسست لاتفاقية سايكس – بيكو بتقسيم الوطن العربي إلى مناطق نفوذ بين بريطانيا وفرنسا وفرض الانتداب والاحتلال عليها كما منحت إيطاليا حق استعمار ليبيا ، وهي التي ساهمت بفعالية في مقاومة نجاح أي مشروع نهضوي عربي أو إسلامي .

لقد تشكلت السياسة الأمريكية تجاه العرب منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية على المبادئ الأساسية لهذه الوثيقة مع الفارق بإحلال السيطرة الأمريكية محل السيطرة الأوربية والاستعمار القديم بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

وهي التي دعت أيضاً صموئيل هنتنغتون إلى عرض نظريته حول صراع الحضارات كنوع من الصراع الديني بعد انتهاء الصراع مع الاتحاد السوفييتي وكتلته الاشتراكية ..

هذه النظرية التي تبنتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة وخاصة إدارة جورج بوش الابن..

لو توقفنا عند بنود الوثيقة نجد أن السياسة الغربية عملت على مدى مئة عام على تحقيق مضمون بنود هذه الوثيقة .

فعلى صعيد المعرفة والتقنية ، بقي الوطن العربي يعاني من ضعف هذه التقنية بعد أن ساهمت شعوبه مساهمة فعالة في الحضارة العالمية وزودتها بكم هائل من المعارف والعلوم، صحيح أن شعوبنا تتحمل مسؤولية التقصير إلا أن السياسة الغربية كان لها دور رائد في هذا المجال .

ففي الوقت الذي سمحت فيه لإسرائيل بامتلاك كل أنواع التقنية وساعدتها في ذلك كما ساعدتها على امتلاك السلاح النووي وهي الدولة الوحيدة التي سمحت لها بذلك في نفس الوقت واجهت مشروع عبد الناصر النهضوي فيما يتعلق بوحدة العرب ونهضتهم كما واجهت مشاريع التنمية التي توفر لمصر بنية تحتية للتقدم حتى وجهت لها ضربة موجعة في هزيمة حزيران عام 1967.

كما واجهت جميع المشاريع العلمية التي حاول العراق امتلاكها إما بتخريب المراكز العلمية وضربها كما فعلت إسرائيل بضرب المفاعل النووي العراقي في بدايته أو بتهديد العلماء وخطفهم وقتلهم أو بإغراء بعضهم لهجر وطنه واستمرت في ذلك حتى احتلاله عام 2003.

وهي ترفض على نحو قاطع محاولة إيران امتلاك الطاقة النووية بحجة الخوف من تحولها نحو السلاح النووي وكذلك تفعل مع سورية التي توجه إليها الأنظار كي لا تبدأ بأي مشروع يؤسس لامتلاكها الطاقة النووية حتى لأبسط الخدمات .

وسعت عن طريق السماسرة والوسطاء إلى تجميد مؤسسة الإنتاج الحربي العربي مقابل تزويد الدول المساهمة بالأسلحة الجاهزة بأسعار خيالية .

2- شكلت اتفاقية سيكس – بيكو بين بريطانيا وفرنسا الموقف الأشد استعمارية تجاه الوطن العربي وقسمت دوله إلى مناطق نفوذ واحتلال بينها ، وأجهضت مشروع إقامة دولة عربية في سورية بعد نجاح الثورة العربية عام 1916 رغم الوعود التي كانت قد قطعتها للعرب وقابلتها باحتلال الدول التي كانت تشكل نواة هذه الدولة ولم تكتفي بذلك بل عززت التجزئة ومتنت الحدود وتركت بعضها عرضة للخلافات بين الدول العربية .

أو بينها وبين دول الجوار .

3 – على صعيد الأقليات ، بذلت السياسات الغربية جهوداً لتشجيع الانقسامات داخل المجتمعات العربية والمجتمعات الإسلامية الأخرى .

فشجعت الانقسامات الطائفية والقومية في العراق لكن ثورة 1920 أثبتت فشل هذه المحاولات عندما واجه الشعب العراقي بكل فئاته الاحتلال البريطاني حتى الاستقلال .

كما حاولت فرنسا إبان احتلالها لسورية من إقامة دويلات طائفية لكن الثورات السورية التي شملت جميع مكونات الشعب واجهت الاستعمار وكان رد الفعل الشعبي التمسك بوحدته الوطنية ودولته الوطنية الموحدة التي شكلت مركزاً رئيسياً للدفاع عن المشروع القومي العربي .

كما واجهت بقية الدول العربية مثل هذه المحاولات وكذلك الدول الإسلامية إيران وتركيا، لكن المحاولات بقيت قائمة والفشل يلاحقها .

نحن هنا لا نعيد كتابة التاريخ لكننا لا نؤمن بالقول : " إن العربي لا يقرأ إلا أننا أيضاً لا نتجاهل حقيقة أننا أهملنا هذه الوثيقة ودورها .

لقد أكد عبد الناصر دوماً إن مواجهتنا للمشاريع الاستعمارية هي دفاع عن أنفسنا و شكل الدعم الذي قدمه الشعب العربي في كل أقطاره لثورة الجزائر عام 1954، ومقاومة الأحلاف المشاريع الاستعمارية الأساس لمواجهة بنود هذه الوثيقة في محاولة أيضاً للدفاع عن النفس لكنه بالمقابل كان يجب أن تدرس هذه الوثيقة في كتب التاريخ كما درس وعد بلفور واتفاقية سيكس – بيكو وغيرها من المشاريع ، لأن دراستها لا تجعلنا نفهم السياسة الأوربية تجاه وطننا بل موقف السياسة الأمريكية في هذه المنطقة وأهدافها منذ أن دخلت كلاعب أساسي في السياسة الدولية وحتى الآن .
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

كاتب المقال : منير درويش

الأكثر قراءة

كيسنجر ونبوءة نهاية إسرائيل في العام 2022م كيسنجر ونبوءة نهاية إسرائيل في...
نظرية الأمن لدول مجلس التعاون الخليجي نظرية الأمن لدول مجلس التعاون...
بدون تعليق - كاركتير بدون تعليق - كاركتير
بدون تعليق - كاركتير بدون تعليق - كاركتير
بدون تعليق - كاركتير بدون تعليق - كاركتير
وثيقة سرية تكشف مخططاً لتقسيم ليبيا إلى دويلات وثيقة سرية تكشف مخططاً لتقسيم...
المجاعة في الصومال وصمة عار على جبين المجتمع الدولي الذي لا يحرك ساكنا المجاعة في الصومال وصمة عار...
ظاهرة تفتيت الدول ونهاية الجغرافية السياسية ظاهرة تفتيت الدول ونهاية...
عروبة الخليج العربي وأمنه عروبة الخليج العربي وأمنه
مستقبل الصراع في اليمن وتأثيره على الأمن الوطني العماني مستقبل الصراع في اليمن وتأثيره...
غولدا قالت (  لا ) غولدا قالت ( لا )

أكثر الزيارات من ..

الولايات المتحدة flag 22.4%الولايات المتحدة
مصر flag 11.5%مصر
السعودية flag 7.8%السعودية
المغرب flag 6.6%المغرب
الأردن flag 6.1%الأردن
الجزائر flag 5.4%الجزائر
قطر flag 4.8%قطر
العراق flag 4.0%العراق
ألمانيا flag 3.6%ألمانيا
المملكة المتحدة flag 2.9%المملكة المتحدة
فلسطين flag 2.7%فلسطين
الإمارات flag 2.4%الإمارات
سوريا flag 1.8%سوريا
تونس flag 1.7%تونس
هولندا flag 1.4%هولندا
روسيا flag 1.1%روسيا
فرنسا flag 1.0%فرنسا
يزور السياسي زوار من 71 دولة

يتصفح الآن

2220 زوار متواجد

البحوث والدراسات

أين أخطأت السعودية مع الإسلاميين؟ ومن سيقبل إسرائيل كدولة يهودية؟ أين أخطأت السعودية مع...
نهاية الحكومات التقليدية: رؤية الى الشكل النهائي لحكومات المستقبل نهاية الحكومات التقليدية: رؤية...
ظاهرة تفتيت الدول ونهاية الجغرافية السياسية ظاهرة تفتيت الدول ونهاية...
تاثير الازمة بسوريا على تطورات العراق ومخاطر التفكك تاثير الازمة بسوريا على تطورات...
مخاطر صدام ياباني- صيني يهدد سلام الباسفيكي مخاطر صدام ياباني- صيني يهدد...
أزمات اليمن وانعكاساتها على أمن الخليج أزمات اليمن وانعكاساتها على...
حدود العلاقة بين تركيا والتنظيم الدولي للإخوان حدود العلاقة بين تركيا...
سقط الاتحاد السوفييتي وخسرت أمريكا؟! سقط الاتحاد السوفييتي وخسرت...
النموذج السياسي والتنموي اليمني القادم مقاربة الجذر...مدخلا لإحياء سيقان وفروع الشجرة العربية !! النموذج السياسي والتنموي...

هذا اليوم

ربع الأميركيين مستعدون للانفصال ربع الأميركيين مستعدون للانفصال
السودان يغلق المراكز الثقافية الإيرانية ويرحل موظفيها السودان يغلق المراكز الثقافية...
السودان يغلق المراكز الثقافية الإيرانية ويرحل موظفيها السودان يغلق المراكز الثقافية...
اليابان والإمارات شراكة استراتيجية اليابان والإمارات شراكة...
اليابان والإمارات شراكة استراتيجية اليابان والإمارات شراكة...
الأطلسي مستعدّ لدعم العراق "جدّياً" ضدّ "داعش" الأطلسي مستعدّ لدعم العراق...
فوز أردوغان رغم المخاوف من التسلط فوز أردوغان رغم المخاوف من...
الحريري: أمن لبنان بانتخاب رئيس وانسحاب حزب الله من سوريا الحريري: أمن لبنان بانتخاب...
الأزمة في العراق: الجيش الأمريكي يستعد "لاحتمال" توجيه ضربات جوي الأزمة في العراق: الجيش...

الصورة تتحدث

بدون تعليق بدون تعليق
بدون تعليق بدون تعليق
بدون تعليق بدون تعليق
أنت تتصفح الآن: تحليلات وآراء الوثيقة المنسية (وثيقة كامبل تبرمان)