مجلة ومجتمع السياسي

  • Full Screen
  • Wide Screen
  • Narrow Screen
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
حصاد الصحف «الإسلاموفوبيا» ..ذريعة لتمرير قرارات سياسية لا يمكن تبريرها


«الإسلاموفوبيا» ..ذريعة لتمرير قرارات سياسية لا يمكن تبريرها

إرسال إلى صديق طباعة PDF
تلجأ الدراسات التي تعنى برصد الوجود الإسلامي في الغرب إلى استعمال مفهوم "الإسلاموفوبيا"، لتوصيف حالة الخوف التي تقبع داخل السياسات الغربية، التي تكرس واقع العداء مع الإسلام والمسلمين، وهو وصف قد ينسحب على كل القرارات التي تمتطي هذا السلوك خارج هذه المناطق على الصعيد العالمي. وربما يجد عديد من المحللين - بحسب الباحث المغربي العربي إدناصر - في هذا الخوف المزمن تفسيراً لمجمل السياسات الأمنية التي تنتهجها الدول الغربية في المنطقة العربية، من توجيه للسياسات الخارجية للعرب، ومحاولة التحكم في مصادر الثروة والقوة في المنطقة. بل إنّ زرع بعض القلاقل وسط الشرق الأوسط، من قبيل الرعاية الفائقة التي تحظى بها إسرائيل في الأوساط الغربية، لدليل قاطع على وجود طفرة في نفسية الغرب، يطبعها الرهاب والتوجس من الحراك الذي بدأ يدب في هذا المجال الجغرافي ومن القوى الصاعدة فيه، التي يطلق عليها اسم الأصوليات التي تستدمج الدين في مجالات الحياة اليومية. ولضبط هذه التحركات الحثيثة، لجأ الغرب إلى استحداث جملة من القرارات والسياسات التي من شأنها إعادة رسم الخريطة السياسية والاقتصادية في المنطقة، للحفاظ على المكتسبات التي تسترعي اهتمام الغرب في هذا المجال الحيوي. وما مشروع الشرق الأوسط الكبير إلا قرار استباقي لضمان دخول السياسات الأمنية والاقتصادية إلى المنطقة دون عراقيل، لتفادي حدوث مناعة اجتماعية تلفظ الوجود الغربي، وتتمخض عن مقاومات مدنية ذات طابع احتجاجي، تروم انتزاع القرار الذاتي وفك الارتباط مع الغرب. وعلى مستوى الداخل الغربي، وفي إطار تفعيل مخطط التخويف من الإسلام، يمكن إدراج تلك الحملات الإعلامية التي تهدف إلى تقديم صورة غير مقبولة عن العرب والمسلمين، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تعزز ببعض الكتابات الغربية عن الإسلام التي تسعى إلى انتزاع بعض الحالات والمواقف لتعميمها، وتكريسها كمذهب عام في الشريعة يُظهر المسلمين وكأنهم كذلك في الواقع. ومن تمظهرات هذه القرارات، يضيف الباحث، ما يتعلق بمنع الحجاب والأزياء الدينية للمرأة المسلمة، ثم تطور الأمر إلى مراقبة شديدة للمدارس الإسلامية، التي يقضي فيها أبناء المسلمين أيام العطل لتعلم بعض مبادئ الدين واللغة العربية، وانتقل هذا التعسف إلى مراقبة مالية هذه المؤسسات ومصادر دعمها. وهذه الصور النمطية عن الإسلام تنبع في نظر المحللين من تواتر العنف، الذي يبدو كأنه يميز حياة المسلمين على جميع الأصعدة الاجتماعية والسياسية والدينية، الذي يعكس هو نفسه طبيعة القيم التي تنظم حياتهم، وتجعل منهم مجتمعات مختلفة في توجهاتها وقواعد سلوكها وأهدافها عن بقية مجتمعات العالم. إذ لا تكتفي هذه المواقف بتقديم هذه الصورة للإسلام فحسب، بل تذهب أبعد من ذلك لتنتقد الغرب على ضعفه وتهاونه تجاه المسلمين، ولتحرض على الحرب وتطالب الغرب بالرد على "العنف الإسلامي" بعنف أشد، أو تحتل أوروبا وتتحول إلى أرض يغزوها المسلمون وتنقلب إلى إمارة تابعة لهم. هكذا أصبح الخوف والشعور بالخطر المرتبط به يشكلان اليوم منطلق أي تفكير غربي حول المنطقة، وأي موقف تجاه ما يجري فيها، بما في ذلك الموقف من الاحتلال والاستيطان، وانتهاك حقوق الإنسان وإعاقة الديمقراطية ومشكلات التنمية والعلاقات الدولية. وهكذا تنقلب "الإسلاموفوبيا" عندهم إلى مجرد رد فعل طبيعي على عدوان قائم، أو منتظر من قبل العرب والمسلمين الذين يكنون العداء للآخر، وفي هذا المجال تلتقي "الإسلاموفوبيا" مع فكرة الحرب الاستباقية وتبررها، فهي تفترض أنّ أصحاب الثقافات الأخرى خطر محدق بنمط الحياة الغربية، بسبب تناقض قيمهم الخاصة النافية للعقل والتحرر والتنوير مع قيم الثقافة الغربية الإنسانية. والحقيقة أنه ليس "للإسلاموفوبيا" صلة قائمة بالخوف بل بالتخوف أو الاستخواف إن جاز هذا التعبير، إذ هي تشخيص لصنف من المخاوف المرضية المزمنة، التي لا تدلل على قدوم أو حصول مخاطر ما، ولا تشكل تعبيراً صحيحاً وصادقاً عنها. فهي حاصل تركيب ذهني عجيب يخلط بين واقع ومتوقع، وخوف وتخوف، وعقل وتخيل، إنها إذن استنتاج ثقافي مقصود لمسبقات مواقف ومشاعر متعددة عن الآخر، الغرض منها صناعة رأي عام لتعزيز الخوف واختلاق التهديدات، وتضخيمها تجاه شريك غير مرغوب فيه. فهي دعاية مغرضة لا تفسر الخوف من الإسلام، إنما توظف هذا الخوف لتبرير سياسات عدوانية مؤصلة فكرياً، تتخذ كذريعة لتمرير اختيارات سياسية لا يمكن تبريرها في أي منطق أخلاقي أو قانوني، وهي مقطوعة الصلة مع فكر الأنوار الذي حرر أوروبا من الظلام والاستبداد والتخلف. ولهذا لا يوجد عدو حقيقي للغرب، بمعناه الذي يحيل على ذلك الفضاء الجغرافي المتقدم تكنولوجياً والمتطور قانونياً والمبدع فنياً، بل إنّ ما يقلق دول الجوار، هو ذلك الغرب الذي تحركه نزوات الاستعمار وأطماع التفوق العسكري، وأحلام الكيان الذي لا يتوانى في توسيع ثرواته وآماله ولو على حساب آلام الآخرين. لكن، يستدرك الباحث، أن حصل فعلاً أن تطور النقد في المنظومة الإسلامية، فاتجه نحو تبني مواقف أكثر عدوانية وراديكالية من الغرب، بل إنّ هذا الإحساس بالظلم هو الذي عمل على تأسيس خلايا جهادية، تتخذ العنف المادي وسيلة لإيصال الرسائل إلى من يهمه الأمر. وليس خافياً أنّ تنظيماً مثل "القاعدة" من خلال أدبياته الفكرية، جعل من أهدافه الاستراتيجية الجهاد ضد الأعداء، وتحرير "الأرض الإسلامية" وتنقيتها من الصليبيين واليهود.

ومثل هذا الموقف يكفي سبباً لتأليب الغرب المسكون بالخوف، لبلورة رد فعل ينحو منحى التحذير من المكون الإسلامي عقيدة وشعباً، لأنهم يعتبرون أنّ هذا الرأي مسنود بنصوص من القرآن والحديث، فلا يمكن إذن بناء سلام وجوار مع المسلمين كيفما كانوا. ومن الأمور التي تعقد نظرة الغربيين إلى المسلمين الوافدين، المناداة بتطبيق الشريعة (...)، وما يصاحبها من المظاهر في الشارع الغربي، من ارتداء النقاب والصلاة في الشوارع المجاورة للمساجد وطقوس الذبح في العيد، أدى كل ذلك إلى اعتبار المسلمين الوافدين إلى الغرب عناصر خطيرة وغير مرغوب فيها، ويمكن أن تكون في المستقبل القريب مصدراً لكل اضطراب ينشأ في البلاد. وعلى إثر ذلك، تكونت حركات معادية للوجود الإسلامي في الغرب، تنادي بطرد المسلمين وإعادتهم إلى أوطانهم، ولم تكتفِ بعض هذه الحركات بالبيان السياسي أو الإعلامي، بل لجأ بعضها إلى استعمال العنف ضد المسلمين بالقتل وحرق البيوت والمساجد والمتاجر. ولا شك أنّ بعض المهاجرين بنقلهم الخلافات الناشئة من بلادهم الأصلية إلى أرض المهجر، زاد من تخوف الغربيين من الوجود الإسلامي، وممّا سيحمله في المستقبل من المخاطر المجهولة.. ويخلص الباحث ادناصر إلى أن الإسلام غدا بعد كل ذلك موضع دراسة وبحث من قبل عديد من المؤتمرات والندوات الإقليمية والدولية، بيد أنّ كثيراً من هذه الدراسات كان نتيجة طبيعية لعواطف المركزية الغربية المدعومة بمصالح سياسية معينة، أو بسبب الانجرار وراء خلفيات أيديولوجية خاصة.
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

security code
الرجاء إدخال الحروف الظاهرة.


busy

كاتب المقال : الاقتصادية السعودية

الأكثر قراءة

بدون تعليق - كاركتير بدون تعليق - كاركتير
بدون تعليق - كاركتير بدون تعليق - كاركتير
بدون تعليق - كاركتير بدون تعليق - كاركتير
بدون تعليق - كاركتير بدون تعليق - كاركتير
بدون تعليق - كاركتير بدون تعليق - كاركتير
بدون تعليق - كاركتير بدون تعليق - كاركتير
بدون تعليق بدون تعليق
بدون تعليق بدون تعليق
بدون تعليق بدون تعليق
بدون تعليق - كاركتير بدون تعليق - كاركتير
بدون تعليق بدون تعليق

أكثر الزيارات من ..

الولايات المتحدة flag 22.4%الولايات المتحدة
مصر flag 11.5%مصر
السعودية flag 7.8%السعودية
المغرب flag 6.6%المغرب
الأردن flag 6.1%الأردن
الجزائر flag 5.4%الجزائر
قطر flag 4.8%قطر
العراق flag 4.0%العراق
ألمانيا flag 3.6%ألمانيا
المملكة المتحدة flag 2.9%المملكة المتحدة
فلسطين flag 2.7%فلسطين
الإمارات flag 2.4%الإمارات
سوريا flag 1.8%سوريا
تونس flag 1.7%تونس
هولندا flag 1.4%هولندا
روسيا flag 1.1%روسيا
فرنسا flag 1.0%فرنسا
يزور السياسي زوار من 71 دولة

يتصفح الآن

41627 زوار متواجد

البحوث والدراسات

" التحالفات الدولية " في الفكر السياسي لجلالة السلطان قابوس " التحالفات الدولية " في...
عروبة الخليج العربي وأمنه عروبة الخليج العربي وأمنه
علاقة الفوضى الخلاقة الأمريكية بعملية التحول الديمقراطي علاقة الفوضى الخلاقة...
موارد القوة السياسية في القر21, من الحجم الى التأثير موارد القوة السياسية في القر21,...
مستقبل النزاعات السياسية في ظل الأزمات الاقتصادية مستقبل النزاعات السياسية في ظل...
معوقات الدبلوماسية وإدارة الأزمات الدولية معوقات الدبلوماسية وإدارة...
منح عُمان مقعد دائم في مجلس الأمن..لماذا؟ منح عُمان مقعد دائم في مجلس...
شتاء النفط : توجيه الأزمة لإعادة تشكيل خارطة العالم الجيوسياسية شتاء النفط : توجيه الأزمة...
العالم على تخوم نظام حكم الكثرة ( البولياركي ـ Polyarchy) العالم على تخوم نظام حكم...

هذا اليوم

تنشيط اقتصادات إفريقيا في مواجهة تغير المناخ تنشيط اقتصادات إفريقيا في...
ماكين: يجب على الكونغرس إيقاف روسيا ماكين: يجب على الكونغرس إيقاف...
الصين ترسل سفنًا حربية ردًا على ترامب وتايوان الصين ترسل سفنًا حربية ردًا...
مصر: التوتر "وارد" والاتصالات مستمرة مع السعودية لتوطيد العلاقة مصر: التوتر "وارد"...
سلطنة عُمان الأقل تعرضاً للإرهاب في الوطن العربي سلطنة عُمان الأقل تعرضاً...
مدير الاستخبارات الأمريكية جيمس كلابر يعلن استقالته مدير الاستخبارات الأمريكية...
إيران هددت بإسقاط طائرتين أمريكيتين فوق الخليج إيران هددت بإسقاط طائرتين...
موقع بريطاني يحذر من سيناريو مخيف بشأن مصر  موقع بريطاني يحذر من سيناريو...
تونس تعلن الكشف عن خلية متطرفة بايعت "داعش" تونس تعلن الكشف عن خلية متطرفة...

الصورة تتحدث

بدون تعليق بدون تعليق
بدون تعليق بدون تعليق
بدون تعليق بدون تعليق
أنت تتصفح الآن: حصاد الصحف «الإسلاموفوبيا» ..ذريعة لتمرير قرارات سياسية لا يمكن تبريرها