إذا كان للمرء الحق في أن يسأل نفسه السؤال الآتي: ما الذي تحقق للشعب العراقي بعد مضي ما يزيد على ثماني سنوات على الغزو الأنجلو ـ أميركي للعراق؟ فإن للمرء الحق ذاته في أن يسأل نفسه: ما المستقبل الذي ينتظر ليبيا بعد تدخل حلف شمال الأطلسي وتدمير البنية التحتية لذلك البلد؟
ومبعث هذين التساؤلين تلك التصريحات المثيرة للانتباه التي أدلى بها الرئيس الأميركي باراك أوباما في مداخلة إذاعية له بأن قرار واشنطن سحب كل قواتها من العراق بحلول نهاية العام ومقتل الزعيم الليبي السابق معمر القذافي هما بمثابة "تذكير" جديد بالقيادة الأميركية على الصعيد الدولي.
يعتزم أوباما حسب ما أعلن أمس الأول سحب 39 ألف جندي أميركي ينتشرون في العراق حاليًّا قبل نهاية 2011، وذلك تنفيذًا لاتفاق وقع بين واشنطن وبغداد في نوفمبر 2008.غير أن أوباما شدد على أن بلاده ـ التي قال إنها حققت أهدافها في ليبيا من دون إرسال جندي واحد إلى هناك ـ ستستمر في دعمها للشعب الليبي والشعوب في العالم العربي التي تسعى إلى مستقبل ديمقراطي. يفهم من هذا التصريح الأوبامي أن الولايات المتحدة التي جاءت به لتحسين صورتها في العالم لا سيما في الشرق الأوسط بدأت تغيير وسائلها في بسط السيطرة والتي كانت تعتمد الخيار العسكري المتمثل في إسقاط الصواريخ والقنابل وقذائف الدبابات ومدافع الرشاشات وقتل الأبرياء، والاتجاه نحو إعادة إنتاج الغزو والاحتلال بوسائل دبلوماسية وسياسية عمادها الأمم المتحدة والتحالف الدولي ونشر الفتن داخل المجتمعات المستهدفة وإسناد الطرف المعارض للنظام القائم بالقرارات الدولية وبالسلاح والدعم المادي، ليتولى بالوكالة مهمة إسقاط النظام الذي لا ترغب فيه واشنطن، أو الذي يتمرد عليها، وتحقيق الأهداف دون أن يراق دم جندي أميركي أو غربي واحد، والواجهة التي تستتر خلفها الأهداف الحقيقية "الديمقراطية، حرية التعبير، حماية المدنيين، حقوق الإنسان، وغيرها من الشعارات البراقة". لقد شاهد الجميع كيف تم تسويق مؤامرة الأميركية ـ البريطانية المليئة بعمليات التزوير والتلفيق والكذب والفبركات المغرضة بهدف تدمير العراق الذي أخذت أهداف الغزو تتأكد ساعة بعد ساعة ويومًا بعد يوم خصوصًا لأولئك المؤيدين للغزو، وحين رأوا أن الأهداف أكبر من حرية تعبير المواطن العراقي، وأعلى من الديمقراطية الزائفة، وأثمن من تخليصه من "الديكتاتورية" والذين لم يملكوا سوى العض على أصابع الندم.
وللرائي ينظر إلى الحال العراقية، ففي الوقت الذي حولته الاتفاقية الأمنية الموقعة بين بغداد وواشنطن في عام 2008م، إلى وضع البقرة الحلوب بصورة كاملة ليصب ضرعها في الخزانة الأميركية بعد أن اكتمل الإخضاع، وفق ما يعتقد الأميركيون، لا يزال الشعب العراقي يبحث عن مصدر أمانه واستقراره، وعن ما ينتشله من متوالية التفجيرات، فهو يريد أن يشعر بالتغيير ويحاول أن يبحث عنه إلا أنه يعز عليه، فالعثور عليه لا يزال مؤجلًا إلى أجل غير مسمى، لأن الحقيقة الصادمة هي أن من قام بالغزو يزعجه أن يحقق ما غزا به من شعارات، لأنها ستمنعه من الوصول إلى ما تحركت من أجله سنابك الدبابات وأقلعت بسببه الطائرات والقاذفات الحربية، ولذلك ليس بمستغرب أن لا يجد المواطن العراقي أبسط مقومات العيش من الماء النظيف ووجبة مكتملة العناصر، وتدفق مستمر للكهرباء وفرص عمل يتكسب منها، ولذلك مطلوب بل مفروض أن يظل الشعب العراقي منشغلًا بدوامة التنازع السياسي والطائفي لضمان تدفق النفط العراقي إلى الولايات المتحدة وحلفائها. وبالنسبة لحال ليبيا بعد أن قتل حلف الأطلسي الكثير من الشعب الليبي ودمر بنيتها التحتية لينهي دوره بقتل زعيمها، قد لا يختلف عن الوضع العراقي إذا نجح الحلفاء في استنساخه وتوليده في ليبيا، بحيث ينشغل الشعب الليبي في صراعاته الداخلية، وثرواته تتدفق خارج الحدود دون حسيب ولا رقيب. الخشية الآن أن تمضي الدبلوماسية الأميركية الجديدة في استهداف الدول العربية بوسائل من الداخل، بما يحقق نظرية الفوضى الخلاقة، ولذلك هذا ما يجب أن ينتبه إليه الغيورون على أوطانهم، وعدم الانسياق وراء شعارات ثبت يقينا أنها زائفة وخدعة كبرى، فالشعوب العربية تستحق أكثر وأصدق ما يروجه الغرب من مثل هذه الشعارات.
التعليقات (0)

أضف تعليق
كاتب المقال : الوطن العمانية
| إيران تنظر إلى البحرين كـ"جوهرة تاج" < السابق | التالي > هآرتس: بإمكان حماس تحطيم بقايا علاقة مصر (بإسرائيل) |
|---|



























































