الارشيفتحليلات واراءشؤون عربيةهذا اليوم

 ‘كسر الصمت’ ..إدانة إسرائيلية للعدوان علي غزة

صدر في منتصف يوليو 2009 تقرير حقوقي أثار ضجة كبيرة وأصداء واسعة داخل وخارج إسرائيل، أصدرته منظمة Shovrim Hashtikah أي ‘كاسرو الصمت’، وحمل التقرير عنوان ‘شهادات الجنود الذين شاركوا في عملية الرصاص المصبوب’، لكنه عرف إعلاميا باسم ‘كسر الصمت’.

يضم التقرير شهادات 54 جنديا قتاليا، كشفوا فيها عن الممارسات الوحشية والانتهاكات ضد الإنسانية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بشكل ممنهج ومنظم خلال العدوان علي غزة الذي بدأ في 27 ديسمبر 2008 وانتهي في 18 يناير2009.

جاء التقرير، الذي صدر بنسختين عبرية وإنجليزية، في 122 صفحة، إضافة إلي عدد من مقاطع فيديو مصورة للجنود الذين أدلوا بشهاداتهم، كما احتوي علي صور فوتوغرافية التي تم التقاطها إبان الحرب علي غزة.

ولا تتجاوز أعمار معظم الجنود الذين أدلوا بشهاداتهم في التقرير عقد العشرينيات، واشترك 30 جنديا منهم بشهادات مصورة ومكتوبة، في حين أدلي ال- 24 الآخرون بشهادات شفوية.

كما فضل جميعهم عدم الكشف عن هويتهم، أو أسماء القادة الذين أصدروا لهم التعليمات، أو حتي أسماء الوحدات المقاتلة التي خدموا فيها.

لم يكن جديدا في تقرير منظمة ‘كسر الصمت’ الإسرائيلية حول الحرب علي غزة اتهام الجيش الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات أخلاقية، وممارسة الكثير من الأفعال العنصرية المشينة في حق المدنيين من الأبرياء الفلسطينيين.

فقبل أن تضع الحرب أوزارها، صدرت الكثير من التقارير الحقوقية، سواء الفلسطينية أو حتي الدولية، التي أكدت أن ما حدث في غزة هو بكل الأحوال جريمة حرب وفقا لمعايير القوانين الدولية.

لكن الجديد هو أن يصدر تقرير حقوقي من الداخل الإسرائيلي يتعرض بشكل مباشر لممارسات المجندين الإسرائيليين خلال الحرب، وذلك بالاعتماد علي شهادات المجندين أنفسهم الذين شاركوا في عملية ‘الرصاص المصبوب’، إذ كانت هذه هي المرة الأولي التي يعتمد فيها تقرير حقوقي علي أقوال ‘الجناة وليس ‘الضحايا’.

كما انطوي التقرير علي تفاصيل جديدة حول الكثير من الاتهامات التي وجهتها المنظمات الحقوقية لإسرائيل عقب انتهاء الحرب، وهو ما قطع بصحة هذه الاتهامات، بعد أن تأكدت من مصادر إسرائيلية داخلية وعلي لسان من قاموا وشاركوا فيها، بشكل مثل ‘ضربة للحرب الدعائية’ التي تخوضها إسرائيل لتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي التي تضررت كثيرا بفعل الحرب.

الخلفية والسياق : بدأ صدور التقارير الحقوقية والصحفية الإسرائيلية والدولية التي تحدثت بشكل مباشر عن جرائم حرب وانتهاكات حقوقية قبل انتهاء الحرب علي غزة.

ففي 7  يناير 2009، أي بعد مرور أقل من عشرة أيام علي نشوب الحرب، طالبت تسع منظمات حقوقية إسرائيلية محكمة العدل الإسرائيلية العليا، ‘أعلي هيئة قضائية في إسرائيل’، بإصدار حكم قضائي بوقف عمليات الجيش الإسرائيلي التي تستهدف مؤسسات البنية الأساسية في غزة، خاصة بعد الأضرار الخطيرة التي لحقت بهذه المؤسسات، نتيجة التخفيض المنهجي والمتتابع للوقود اللازم لتشغيلها، ونتيجة الهجمات العسكرية الأخيرة التي قام بها الجيش الإسرائيلي.

كما طالبت هذه المنظمات- وهي (‘جيشا’، مركز المحافظة علي حقوق الحركة، و منظمة ‘عدالة’ جمعية حقوق المواطن في إسرائيل، اللجنة الجماهيرية لمناهضة التعذيب في إسرائيل، منظمة ‘يوجد قانون’ الحقوقية، مركز ‘مساواة’ لحقوق المواطنين العرب في إسرائيل، مركز ‘هاموكيد’ مركز الدفاع عن الفرد في إسرائيل، منظمة ‘أطباء لحقوق الإنسان’، منظمة ‘بيتسيلم’ مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية’، مركز ‘أدفا’ للمساواة والعدالة الاجتماعية)- وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك بالسماح بتوفير الوقود اللازم لتشغيل محطة الكهرباء المركزية في قطاع غزة، ولشبكة المياه والصرف الصحي، وإصلاح شبكة الكهرباء التي تم تخريبها علي أيدي الجيش، مشير إلي أن التأخير في ذلك يزيد أعداد المرضي، ويتسبب في الكثير من الدمار والموت لمواطنين أبرياء(1).

وقامت اثنتان من تلك المنظمات- وهما مركز ‘هاموكيد’ للدفاع عن الفرد في إسرائيل، ومنظمة ‘أطباء لحقوق الإنسان’ الإسرائيلية – بتجميع وتوثيق شهادات لمواطنين فلسطينيين وأجانب مقيمين في غزة عن حقيقة الأوضاع التي خلفتها الحرب هناك، وذلك في محاولة لتقديم أدلة مادية تكون بمثابة أداة فعالة لمحاكمة المسئولين الإسرائيليين، سواء من العسكريين أو المدنيين(2).

وبعد 22 يوما من انتهاء الحرب علي غزة، بدأت تتكشف علي الساحة الإسرائيلية الكثير من التفاصيل المتعلقة بالحرب، لاسيما فيما يتعل بارتكاب جرائم حرب، وبالانتهاكات التي حدثت من قبل جنود الجيش الإسرائيلي في حق المواطنين الفلسطينيين العزل.

فقد كشفت مصادر عسكرية إسرائيلية النقاب عن أن هناك تحقيقات أولية تجري داخل الجيش حول إطلاق جنود إسرائيليين النار علي مواطنين كانوا يرفعون الرايات البيضاء، وذلك بعد أن تقدمت كل من منظمتي ‘بيتسليم’ و’حقوق الإنسان في إسرائيل’ بشكاوي ضد جنود ارتكبوا مثل هذه الحوادث في مناطق كفر خزاعة، وشرقي خان يونس(3).

وهو ما أكدته منظمة هيومان رايتس ووتش الدولية في تقريرها عن الحرب الذي صدر مطلع أغسطس 2009.

ومن بين أغرب ما تكشف عنه إسرائيليا، فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان إبان الحرب علي غزة، ما كشفت عنه الصحفية الإسرائيلية ‘دوريا لمبل’ من أن جنودا إسرائيليين تركوا كتابات عنصرية علي جدران البيوت والمساجد في المناطق الفلسطينية التي اقتحمتها القوات البرية الإسرائيلية، حيث وجدت عبارات مثل ‘الموت’ و’سنقتلكم جميعا’، إضافة إلي تقطيع صفحات من نسخ من كتاب القرآن، ورسم صور لنجمة داود، وبعض شعارات دولة إسرائيل علي أغلفتها(4).

ووجدت إسرائيل نفسها أمام طوفان من الدعاوي القضائية الموجهة ضد مسئوليها المدنيين وقادتها العسكريين، مما جعل الدوائر السياسية والأمنية والقانونية الإسرائيلية تدرك تماما أنها بصدد حرب جديدة ليست هذه المرة في غزة، لكنها حرب قانونية ساحتها قاعات المحاكم الدولية.

هذه الحرب القانونية كانت إسرائيل مستعدة لها قبل عدوانها علي غزة، إذ كانت علي يقين بأنها سترتكب جرائم حرب خلال عدوانها علي غزة.

فقد أكد شلومو بروم، رئيس برنامج علاقات إسرائيل والفلسطينيين في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، أن إسرائيل كانت تدرك تماما أن أهم إشكالية ستواجه خلال الحرب علي غزة هي مقتل عدد كبير من المدنيين، منهم أطفال ونساء.

وأعد الجيش الإسرائيلي ‘ملفا جنائيا’ لكل منزل تم قصفه، وذلك في محاولة لإثبات أن عملية القصف تمت بناء علي وجود مسلحين به، وأنه كان قد استعمل كمخزن للسلاح.

كما أعلنت مصادر سياسية وعسكرية إسرائيلية أنه من المقرر أن تركز الدوائر القانونية الإسرائيلية، في الدفاع عن الجرائم التي ارتكبتها في غزة، علي أنها كانت بمثابة عمليات دفاع عن النفس، وأنها بذلت جهودا كبيرة لتحذير السكان ومطالبتهم بإخلاء بيوتهم، واستخدمت فيها رب مليون محادثة هاتفية وبلاغات عبر الهواتف الخلوية وإلقاء منشورات من الجو(5).

من ناحية أخري، استبقت إسرائيل التحقيقات الدولية بتحقيقات داخلية يقوم بها الجيش الإسرائيلي نفسه، أو المحاكم الإسرائيلية، حيث تم تكليف طاقم قضائي لمتابعة أية دعاوي قانونية قد ترفعها منظمات حقوقية، وأيضا لتحذير أي عسكري أو سياسي من السفر إذا ورد اسمه بصفته مطلوبا في قضية من هذا النوع(6).

وفي أبريل 2009، قام الجيش الإسرائيلي بنشر نتائج تحقيقات خمس لجان قام بتشكيلها رئيس أركان الجيش، جابس أشكنازي، للتحقيق في التجاوزات التي وقعت خلال الحرب علي غزة، والتي خرجت بنتيجة مفادها أن الجيش الإسرائيلي بذل قصاري جهده، إلي جانب استثمار موارد طائلة، لتحذير المدنيين في قطاع غزة ليتفادوا الخطر.

كما خاضت إسرائيل حربا أخري، لكن إعلامية، حيث قامت بتكليف الأجهزة الإعلامية بشن حرب دعائية ونفسية للتغطية علي الخراب والدمار الذي لحق بغزة إبان الحرب.

بينما أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية أنها قامت بتكوين طاقم عمل مهمته العمل إعلاميا ودبلوماسيا علي تبرير العمليات العسكري لإسرائيل في القطاع، والترويج لعمليات المساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية التي من المقرر أن تقدمها إسرائيل لغزة لاحقا.

وتقرر أن يتولي وزير الرفاه الاجتماعي، يتسحاق هرتسوج، ملف الحملة الإعلامية الإسرائيلية ضد الدعاوي التي تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب(7).

قراءة في المضمون : تضمن تقرير منظمة ‘كاسرو الصمت’ شهادات 54 جنديا، اشتركوا جميعهم في عملية الرصاص المصبوب.

استعرض التقرير شهاداتهم علي هيئة ‘سؤال وجواب’، وتنوعت صيغة 30 شهادة منها بين مصورة ومكتوبة.

أما ال- 24 شهادة الأخري، فقد كانت شفهية(8).

ووصفت المنظمة هذه الشهادات بأن معظمها كانت ‘رزينة، ومفعمة بمشاعر الأسي والندم، ومسببة للصدمة’، نظرا لما احتوته علي وصف تفصيلي للفظائع التي ارتكبت في حق المدنيين أثناء الحرب.

حيث أكدت المنظمة أن الشهادات جاءت متسقة ومنسجمة مع تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية التي اعتبرت أن العمليات العسكرية التي شنها الجيش الإسرائيلي لم تفرق بين المدنيين والمسلحين، كما لم تكن متكافئة.

وركزت الشهادات علي ستة موضوعات أساسية، كان أهمها المتعلقة باتهامات نفتها إسرائيل في السابق باستخدام الفوسفور الأبيض دون تمييز في شوارع غزة، إضافة لعمليات استخدام المدنيين الفلسطينيين ك- ‘دروع بشرية’ بشكل منظم وجماعي، إضافة إلي تأكيد الدور الكبير الذي لعبه الحاخامات المتشددون في التحريض علي الممارسات الإجرامية والعنصرية ضد الفلسطينيين إبان عملية الرصاص المصبوب.

وتجدر الإشارة، فيما يتعلق باستخدام الفلسطينيين كدروع بشرية، إلي أن الشهادات الواردة بالتقرير أكدت ما ورد بتقرير سابق لمنظمة ‘بتسيلم’ الحقوقية الإسرائيلية، حيث كانت قد قدمت 19 ملفا جنائيا للنائب العسكري الإسرائيلي العام تثبت استخدام الفلسطينيين كدروع بشرية إلي جانب انتهاكات أخري خلال العدوان الإسرائيلي علي قطاع غزة(9).

إلا أن الجديد في تقرير ‘كاسرو الصمت’ هو اعتماده علي شهادات الجناة وهم الجنود.

أما تقرير بيتسيلم، فقد اعتمد علي شهادات الضحايا من المواطنين الفلسطينيين سكان غزة.

ومن اللافت أن تلك الانتهاكات من جانب الجيش الإسرائيلي قد ارتكبت برغم أن المحكمة العليا الإسرائيلية كانت قد قضت في أكتوبر 2005 (بناء علي طلب من 7 منظمات لحقوق الإنسان) بتجريم استخدام الجيش للدروع البشرية، لأنه ليس قانونيا ويتعارض مع قواعد القانون الدولي.

أما استخدام الفوسفور الأبيض، فقد حسمت الشهادات حقيقة هذا الأمر الذي تخبط الجيش الإسرائيلي في الرد علي الاتهامات المتعلقة به، حيث أنكرها تماما في البداية، ثم عاد واعترف باستخدامها، لكن في مناطق غير مأهولة بالسكان وبشكل محدود.

إلا أن الشهادات أكدت أن قصف المنازل عادة ما كان يتم باستخدام قنابل الفوسفور الأبيض وبشكل مبالغ فيه.

كما خلصت معظم الشهادات إلي حقيقة أن الأوامر العسكرية، سواء المباشرة أو غير المباشرة للمقاتلين، أفادت جميعها بضرورة قتل عدد كبير من المدنيين الفلسطينيين مقابل الحرص علي تقليل الخسائر البشرية في صفوف الجنود الإسرائيليين إلي أقصي الحدود بهدف الحصول علي دعم شعبي واسع لعمليات الجيش الإسرائيلي في غزة بالداخل الإسرائيلي.

فقد تلخصت الأوامر العسكرية في عبارة: ‘من الأفضل أن تصيب بريئا علي أن تتردد باستهداف عدو، وإذا لم تكن آمنا ..

اقتل’.

وأشار التقرير إلي أن ما سماه ب- ‘الروح العدائية المبالغ فيها’ للقادة العسكريين الذين اشتركوا في هذه الحرب كان أحد المسببات الرئيسية في إقدام المجندين والمقاتلين علي ارتكاب ممارسات ‘غير أخلاقية’ بشكل غير محدود خلال هذه الحرب.

فالجنود لم توجه لهم أوامر مباشرة بأهداف محددة لهذه الحرب، كما أنهم لم يتلقوا أي تعليمات فيما يتعلق بالتعامل مع الأبريا والمدنيين(10).

وكشفت شهادات الجنود أيضا عن أن هناك الكثير من العمليات التي قاموا بها لم يكن لها أي ‘هدف عسكري أو عملياتي حقيقي’، لاسيما فيما يتعلق بهدم المنازل وتخريبها من الداخل وألقاء أثاثها من النوافذ، بحيث بدت الكثير من العمليات خارج إطار الأهداف المحددة للحرب، وأنها هدفت بالأساس لنشر الخراب والدمار وحسب.

ومن أهم ما أظهرته هذه الشهادات هو أن السلوكيات غير الأخلاقية، التي مورست إبان القتال، توجد علي مستوي المنظومة المتكاملة وليست علي المستوي الفردي/الشخصي.

وحسب تعبير ميخائيل منكين، أحد المسئولين في منظمة ‘كسر الصمت’، فإن هذه السلوكيات التي كانت في السابق حالات استثنائية تحول اليوم إلي نمط عام يمارس بشكل تلقائي، مما يجعل من هذه الشهادات دعوة ملحة للمجتمع الإسرائيلي لإعادة فحص الآثار المختلفة لتصرفات الجيش.

أبعاد وتداعيات مهمة : انطوي صدور هذا التقرير من جانب إحدي منظمات المجتمع المدني في إسرائيل علي تداعيات مهمة، خصوصا المتعلقة بتأثير التقرير علي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بما تحظي به من مكانة خاصة واستثنائية في الدولة والمجتمع الإسرائيليين.

كما لفت الانتباه بشكل كبير إلي ذلك الدور المتنامي والملحوظ الذي يلعبه المتدينون داخل الجيش الإسرائيلي.

وقبل هذا وذاك، ألقي الضوء مجددا علي الدور الإشكالي الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني في الداخل الإسرائيلي، وتأثيرها علي توجيه السياسات الإسرائيلية العامة.

1- الدولة والمجتمع المدني في إسرائيل : تعد منظمة ‘كاسرو الصمت’ التي أصدرت التقرير من المنظمات حديثة النشأة من بين منظمات المجتمع المدني في إسرائيل.

فقد تأسست عام 2003، لكنها تندرج ضمن منظمات المجتمع المدني ‘الاحتجاجي’ التي ظهرت في إسرائيل عقب انتهاء حرب 1973، وقادها عدد من المثقفين والمتعلمين، إضافة إلي مجموعة من القادة العسكريين المتقاعدين.

ويتركز نشاط المنظمة علي تعريف المجتمع الإسرائيلي بممارسات الجيش في الأراضي الفلسطينية من خلال جمع شهادات الجنود الذين لا يزالون يؤدون الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية، وذلك لاستبيان مدي الفجوة الكبيرة بين ما يجري في الأراضي الفلسطينية عن طريق الجيش، وبين الصمت السائد داخل إسرائيل.

وكانت انتفاضة الأقصي التي نشبت عام 2000 من أهم وأبرز دوافع تأسيس منظمة ‘كاسرو الصمت’، إذ إن المختلف في نشاط هذه الجمعية هو تركيزها علي تجميع شهادات المجندين الذين اشتركوا في قمع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وركزت علي حوادث أعمال التنكيل والابتزاز وتخريب الممتلكات، والتي تحولت لممارسات طبيعية يمارسها الجيش تحت غطاء قانوني ومبررات أمنية(11).

وبإصدار المنظمة تقريرها حول الحرب علي غزة، طرحت – بقوة – مرة أخري علي الساحة الداخلية الإسرائيلية إشكالية وضعية منظمات المجتمع المدني في إسرائيل.

إذ سرعان ما شنت حكومة نيتانياهو حربا شعواء علي المنظمة بسبب هذا التقرير، تلك الحرب التي امتدت لتشمل مجموعة من المنظمات الحقوقية الإسرائيلية الأخري، مثل ‘بيتسيلم’ و’السلام الآن’ و’كاسرو الصمت’، ومنظمات دولية مثل ‘هيومان رايتس ووتش’، ومنظمة العفو الدولية.

وقد أشارت بعض المصادر الصحفية الإسرائيلية إلي أن وراء هذه الحملة وزير الخارجية الإسرائيلي اليميني المتطرف، أفيجدور ليبرمان، ودعمها رئيس الوزراء، بنيامين نيتانياهو شخصيا، وتتمثل في ممارسة ضغوط رسمية من قبل الدوائر الحكومية أو من قبل بعض الصحفيين الإسرائيليين، إضافة إلي تحريض الجهات المانحة والمتبرعة لهذه المنظمات بوقف تبرعاتها المالية لها.

فقد طلبت الحكومة الإسرائيلية رسميا من حكومات إسبانيا وبريطانيا وهولندا وقف الدعم المالي لمنظمة كسر الصمت وبقية المنظمات الحقوقية الإسرائيلية غير الحكومية التي يتركز نشاطها في الصراع العربي- الإسرائيلي وتصدر تقارير من شأنها التأثير علي سمعة إسرائيل(12).

وفي مواجهة هذه السياسات، بعثت عشر منظمات حقوقية إسرائيلية خطابا لكل من رئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير الدفاع، يطالبونهم فيها بعدم العمل ضد منظمة كسر الصمت وبقية المنظمات الحقوقية والمدنية في البلاد، وعدم العمل علي وقف الدعم المادي لها، والتعامل مع مضمون الشهادات بشكل جاد.

مشيرة إلي أن الضغط الشديد الذي يمارس علي المنظمة خطير ومقلق، ويلقي بظلال من المخاوف علي مستقبل بقية الجمعيات الأخري في إسرائيل.

من هنا، ظهرت مرة أخري علي السطح تلك الإشكالية المتعلقة بعلاقة الدولة بمنظمات المجتمع المدني في إسرائيل.

فالضغوط التي مارستها حكومة نيتانياهو علي ‘كاسرو الصمت’ عقب نشر التقرير، وما تبعه من ممارسة ضغوط علي منظمات أخري، تشير بشكل كبير إلي أن الحكومة الإسرائيلية شرعت في اعتماد سياسة جديدة فيما يتعلق بالتعامل مع هذه الجمعيات.

فبعد أن كانت تتجاهل تماما مثل هذه التقارير، مثلما هو الحال بخصوص التقارير الحقوقية التي خرجت إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بدأت تتحسب بشكل كبير لتأثيراتها الدعائية، سواء علي الداخل الإسرائيلي أو خارجيا.

ففور انتهاء الحرب علي غزة، دشنت وزارة الخارجية الإسرائيلية حملة دعائية داخلية وخارجية لتوضيح الصورة الحقيقية فيما يتعلق بالحر الإسرائيلية علي غزة، مشيرة إلي أن إسرائيل ستخوض حربا دعائية للحفاظ علي صورتها التي تضررت كثيرا بسبب ما قامت به المنظمات الحقوقية، سواء بإصدار تقارير أو نشر صور تتعلق بهذا الأمر.

أما حكومة نيتانياهو اليمينية المتشددة الحالية، فيبدو أنها قررت أن تكون أكثر حزما مع منظمات المجتمع المدني التي من الممكن أن تضر أنشطتها بأجندتها السياسية وبصورة الحكومة، سواء داخليا أو خارجيا.

فجميع المنظمات الحقوقية في إسرائيل اتهمت نيتانياهو عقب حملته ضدها بأنه بدلا من أن يفتح نقاشا جماهيريا واسعا حول ما حدث في غزة وحول شهادات هؤلاء الجنود، فإنه فضل فتح جبهة حرب علي ‘كاسرو الصمت’ وبقية المنظمات الأخري.

من ناحية أخري، فإن تقرير ‘كسر الصمت’ أثار جدلا في الداخل الإسرائيلي حول مردوده علي المجتمع الإسرائيلي بشكل عام، ومدي إمكانية أن يؤدي إلي فتح نقاش جماهيري عام حول سلوكيات الجيش الإسرائيلي، وحول ماهية الحروب التي تخوضها إسرائيل.

فقد رأت بعض الآراء أن تأثير التقرير تجاوز نطاق المجتمع المدني في إسرائيل الذي تربطه في العموم بالداخل الإسرائيلي اعتبارات برجماتية ومصالح طائفية، حيث أثار تساؤلات مهمة حول مغزي سلوكيات الجيش الإسرائيلي، وإلي أي مدي يحافظ في الواقع علي حقوق الإنسان والمعايير القتالية، خاصة علي ضوء أوامر إطلاق النار في غزة علي أساس قاعدة ‘نطلق الرصاص أولا? (13).

كما أن هناك الكثير من التساؤلات التي طرحت علي خلفية صدور هذا التقرير، تتعلق بطبيعة المجتمع الإسرائيلي نفسه.

حيث نوهت بعض المنظمات الحقوقية والاجتماعية الإسرائيلية إلي أن مثل هذا التقرير يضع علامات استفهام حول ماهية المجتمع الذي يقبل بمثل هذه السلوكيات، وطبيعة المجتمع الذي أخرج جنديا شارك في مثل هذه التصرفات، معتبرة أن هذا التقرير بمثابة صرخة لكل القطاعات الاجتماعية للاستيقاظ من غفوتها والاشتراك في نقاش شعبي حقيقي وجاد حول صورة المجتمع الإسرائيلي.

كل ذلك، يدفع للقول إن هناك تحولا ما في الداخل الإسرائيلي فيما يتعلق بالنظر للفلسطينيين وأوضاعهم المختلفة وطبيعة الصراع معهم، لاسيما إذا تعلق الأمر بتجاوز الحدود في حال القتال ضدهم، بشكل يذكر- إلي حد كبير- بالانعكاسات القوية التي تركتها مذابح صبرا وشاتيلا عام 1982 علي الداخل الإسرائيلي، والتي أدت إلي إقالة مسئولين عسكريين من مناصبهم.

لكن من الواضح أن المذابح الإسرائيلية في غزة تركت بصماتها حتي علي المجتمع، ولم تؤثر بعد علي المسئولين السياسيين والعسكريين.

فقد أدي تقرير ‘كسر الصمت’ إلي حالة جدل داخل المجتمع الإسرائيلي حول مدي قبوله أو رفضه لمثل تلك الممارسات الواردة بتقرير هو الأول الذي يصدر من منظمة إسرائيلية، ويعتمد علي شهادات جنود إسرائيليين، بما يعني القضاء علي أية فرصة أو ثغرة لإمكانية التشكيك في مصداقيته أو الزعم بعدم صحته، مما سبب صدمة داخل بعض الأوساط الاجتماعية الإسرائيلية لما حمله من شهادات الجنود.

كما لفت التقرير النظر إلي أن هناك مجتمعا مدنيا ناشطا وفاعلا في الداخل الإسرائيلي، يمكنه أن يؤثر بشكل كبير علي سياسات الحكوم الإسرائيلية، حيث بدا ذلك واضحا في تلك الهجمة الحكومية الشرسة علي هذه المنظمة، والتي وصلت إلي حد اتهامها بالحصول علي تمويل مالي من المملكة العربية السعودية لإعداد هذا التقرير(14).

فقد بات واضحا أن تأثير منظمات المجتمع المدني في إسرائيل، لا سيما الحقوقية منها، أصبح لا يستهان به، مما يجعل من التواصل معها عربيا والاستفادة من أنشطتها المختلفة لفضح الممارسات الإسرائيلية أمرا مهما للغاية، ليس فقط لجمعيات ومنظمات الحقوقية والمدنية العربية المعنية بذلك، بل علي المستوي الدعائي والإعلامي أيضا، بما يعنيه ذلك من أهمية بالغة، سواء في التأثير علي الداخل الإسرائيلي، أو لكسب تعاطف الرأي العام العالمي.

2- مكانة الجيش : من أبرز وأهم ردود الفعل، التي أثيرت عقب إصدار تقرير ‘كسر الصمت’، تلك الردود، سواء الصادرة من الجيش الإسرائيلي أو المتعلقة به، والتي كان أسرعها وأكثرها حدة تصريحات وزير الدفاع، إيهود باراك، الذي رفض ما جاء في التقرير جملة وتفصيلا، معتبرا أن الجيش الإسرائيلي هو أحد أكثر جيوش العالم ‘أخلاقية’، وأنه يعمل وفق ما سماه ب- ‘كود أخلاقي عال جدا’.

هذه الصفة ‘الأخلاقية’، التي تحدث عنها باراك في تصريحاته المدافعة عن الجيش، أصيبت بخلل كبير عقب انتهاء العدوان الإسرائيلي علي غزة، مما استدعي بشكل دائم الدفاع عنها من جانب القادة العسكريين والمسئولين السياسيين في إسرائيل.

فدائما ما ردد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، جابي اشكنازي، وعدد من قادة الجبهات العسكرية الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي ‘جيش أخلاقي’ ويتمتع بمجموعة من القيم التي تحكم عملياته القتالية.

ومع ذلك، فقد جاء تقرير ‘كسر الصمت’ ليكسر بشكل كبير هذه القاعدة الأخلاقية، التي كثيرا ما روج لها الإسرائيليون حول جيشهم، الذي ينظرون إليه علي أنه جيش يدافع بالأساس عن ‘قيم أخلاقية وإنسانية’ قبل أن يدافع عن وجود دولة صغيرة ومحاطة بالعداء من كل جانب.

فقد عكس التقرير بشكل كبير وجود خلل فيما يتعلق بتلك الصلة جوهرية بين الجيش والنظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي في إسرائيل.

إذ إن الجيش في إسرائيل يحظي بمكانة تختلف عن أي جيش آخر في أي دولة أخري، فهو بمثابة دعامة النظام السياسي في وظائفه الأساسية بجانب الأدوار الاجتماعية والاقتصادية المختلفة التي يلعبها في العلاقات المتشابكة مع الدولة الإسرائيلية بكافة مؤسساتها وأيضا مع المجتمع الإسرائيلي، من حيث الدور المدني للجيش، وعسكرة الاقتصاد، وتنامي المجتمع الإسرائيلي العسكري (عسكرة المجتمع)(15).

كما دعم التقرير حالة التراجع الشديدة التي شهدتها الساحة الداخلية الإسرائيلية فيما يتعلق ب- ‘الثقة العمياء’ التي تضعها كافة مؤسسات الدولة الإسرائيلية في المؤسسة العسكرية.

كما تزايدت شكوك المجتمع الإسرائيلي في الدور الذي يقوم به جيشهم لحماية الدولة والدفاع عن قيمها الأصيلة بشكل دفع البعض في إسرائيل للقول إن التقرير وضع سلوكيات الجيش الإسرائيلية ومعاييره الأخلاقية علي محك حقيقي في حال خوضه أي حرب أخري(16).

علاوة علي ذلك، وضع هذا التقرير العلاقة الوثيقة بين المجتمع الإسرائيلي وجيشه علي محك حقيقي.

إذ إن هناك عهدا ضمنيا بين الجيش والمجتمع في إسرائيل يتمثل في وجود رؤية خاصة للدور الحيوي الذي تقوم به القدرة العسكرية في تأمين الوجود القومي اليهودي في إسرائيل، وأهمية هذا العامل في توفير المشروعية للنظام السياسي، مما يؤدي إلي ضغط متواصل نحو اتفاق سياسي واجتماعي غير معلن أو ضمني في إسرائيل حول الدور الاجتماعي والثقافي والفكري الذي يلعبه الجيش الإسرائيلي، إضافة إلي دوره العسكري(17).

ويعكس هذا التشابك في العلاقة بين المؤسسة العسكرية الإسرائيلية (الجيش) والمجتمع والدولة مدي حرص الأخيرة علي دور الجيش ومؤسساته في توفير الأمن والسلام، وما يتعلق بذلك من قضايا التسلح وبناء القوات العسكرية للبلاد بشكل قوي، إضافة إلي استخدام كل ذلك لتقوية أواصر الترابط بين أطياف المجتمع الإسرائيلي ومكوناته وطوائفه المختلفة والذي لا يجمعه سوي مفهوم ‘وحدة المصير المشترك’، ذلك المصير الذي لا يؤمنه ويحفظه سوي الجيش من وجهة نظر كل إسرائيلي، الأمر الذي يفسر تلك المكانة الخاصة التي يحظي بها الجيش الإسرائيلي في الوعي الجماعي للمجتمع الإسرائيلي.

هذه الهالة التي يحاط بها الجيش داخل المجتمع الإسرائيلي بدأت تتلقي في الآونة الأخيرة الكثير من الضربات القاسية، ليس بسبب انتشار التقارير الحقوقية التي تتحدث عن تجاوزات أخلاقية لجيش ينظر إليه علي أنه أكثر الجيوش الأخلاقية في العالم، بل لأسباب أخري أبرزها ما يتعلق بانتشار حوادث التحرش الجنسي والاغتصاب بين المجندين والمجندات، إضافة لحالة السرقات المستمرة التي يتم التحقيق فيها، بشكل أصبح معه الجيش الإسرائيلي يعاني أزمة أخلاقية حقيقية وغير مسبوقة، سواء علي مستوي السلوكيات القتالية الجماعية، التي كشف عنها ما قام به الجيش في غزة، أو علي السلوكيات الشخصية الفردية.

كل ذلك يفسر تأكيد تقارير لجان التحقيق، التي شكلها حول ممارسات جنوده في غزة، أنه قاتل مراعيا القيم الأخلاقية والقوانين الدولية، وقام بتدريب جنوده علي العمل بموجب قيمه ومعاييره التي تلزمه.

كما قامت المنظومة الأمنية الإسرائيلية بشن حرب دعائية شاملة ضد التقرير هدفها -حسب مراقبين إسرائيليين- تقويض ما جاء في تقرير ‘كسر الصمت’، بدعوي أن التقرير يشوه صورة إسرائيل(18).

3- البعد الديني : كان لافتا أن تتضمن شهادات الجنود في تقرير كسر الصمت جزءا مهما حول مدي تأثير ما يعرف بالجيش الإسرائيلي ب- ‘الحاخامية العسكرية(19)’ علي مجريات الحرب وعلي الانتهاكات التي وقعت بها، ليس هذا فحسب، بل أيضا تأثير مجموعة من الحاخامات المتشددين من جمعيات دينية أخري، مثل جمعية ‘شهادة يهودية’، علي سلوكيات الجنود تجاه المدنيين الفلسطينيين، سواء قبل نشوب الحرب أو أثناء القتال(20).

كما أوضحت الشهادات أن البعد الديني كان حاضرا إلي أبعد الحدود في الحرب علي غزة، وأثر بشكل كبير علي سلوكيات المجندين تجاه الفلسطينيين.

فقد كان واضحا أنه تم إشباع الجنود المشاركين في الحرب بمجموعة مفاهيم وأيديولوجيات ذات بعد ديني بررت لهم استخدام أحط وأسوأ الوسائل مع المدنيين الفلسطينيين.

فوفقا للشهادات الواردة في التقرير، شهدت فترة التدريبات النهائية علي الحرب علي غزة تقاربا شديدا بين المجندين والحاخامات الذي حرصوا علي إرشادهم حول كيفية التعامل مع الفلسطينيين(21).

وقد لفت ذلك أيضا إلي ظاهرة ‘تنامي المد الديني’ داخل الجيش الإسرائيلي، والذي ظهر بشكل قوي خلال الحرب علي غزة، التي شهدت الكثير من الأحداث التي دللت علي ذلك.

ففور انتهاء الحرب، كشفت الصحافة الإسرائيلية عن أن العميد ‘آفيحاي رونتيسكي، الحاخام العسكري الأول، قام بتوزيع كراسات إرشادية إبان الحرب علي الجنود، يدعوهم فيها إلي عدم الرحمة مع المدنيين، ويحرضهم فيها علي استخدام الأساليب الوحشية مع غير اليهود، وقتل نسائهم وأطفالهم.

كما كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية فور انتهاء الحرب عن أن الحاخامية العسكرية وزعت علي الجنود فتوي أصدرها مدير مدرسة ‘عطيرات كوهنيم’ المتطرفة في القدس المحتلة، توجب علي الجنود التعامل مع المدنيين الفلسطينيين بنفس الصورة التي أوجبتها التوراة علي اليهود في تعاملهم مع قوم ‘علقيم’، أي قتل الأطفال والنساء وحتي الدواب بدون تمييز أو رحمة.

ومن ناحيتها، كشفت صحيفة ‘بشيبع’ الدينية الإسرائيلية عن أن أن الحاخام المكلف بالإرشاد الديني لكتائب الاحتياط المشاركة في الحرب علي غزة كان قد أصدر أيضا مواعظ دينية للجنود، تشدد علي عدم التعامل برحمة مع جميع الفلسطينيين.

لقد أصبح انتشار مثل هذه الكراسات الإرشادية والفتاوي الحاخامية بين مجندي الجيش الإسرائيلي بمثابة ظاهرة لافتة وغير مسبوقة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

بدأت تلك الظاهرة تطفو علي السطح مع نشوب انتفاضة الأقصي عام 2000، وتزايدت بشكل كبير خلال الحرب علي غزة، والتي أكدت الدو المهم والمحوري لما يسمي داخل الجيش الإسرائيلي ب- ‘الحاخامية العسكرية’، التي يتركز تأثيرها في كونها الأكثر قدرة علي توجيه قطاع الجنود المتدينين داخل الجيش، ليس فيما يتعلق بالشئون الدينية وحسب، بل فيما يتعلق بالشئون السياسية والعسكرية أيضا، إضافة لدورها الكبير في إضفاء مسحة من الشرعية الدينية علي ممارسات الجيش الإسرائيلي غير الأخلاقية، بشكل يعزز من مكانته المقدسة داخل المجتمع الإسرائيلي.

من ناحية أخري، فإن هذه الظاهرة تعكس إلي حد كبير طبيعة العلاقة الوثيقة التي تربط بين الجيش والمؤسسة الدينية عامة في إسرائيل.

فعلي الرغم من وصف الجيش في الأدبيات الأولي لقيام الدولة الإسرائيلية بأنه مؤسسة علمانية تسع جميع مواطني الدولة بجميع مذاهبهم وتوجهاتهم وأيديولوجياتهم، ومهمته الأولي والوحيدة هي الدفاع عن حدود الدولة الناشئة، إلا أنه لم ينجح في التخلص من تأثير رجال الدين عليه وعلي ممارساته.

ونظريا، لا توجد حجية قانونية للفتاوي التي يصدرها كبار الحاخامات في الشئون السياسية والعسكرية لكون إسرائيل دولة علمانية.

لكن عمليا، فإن الثقافة السائدة في إسرائيل تمنح الفتاوي الدينية أهمية قصوي، وتأثيرا بالغا، لاسيما علي قطاعات اليهود المتدينين.

يفسر ذلك بشكل أوضح تلك الإشكاليات بل والأزمات التي عادة ما تنشب وتكون متعلقة بمدي ولاء المجندين داخل الجيش الإسرائيلي للقيادة العسكرية علي حساب ولائهم لمرجعياتهم الدينية.

فحسب دراسة أعدها قسم العلوم الاجتماعية في جامعة بار إيلان، التي يسيطر عليها المتدينون، تبين أن أكثر من 90% من المتدينين يعتقدون أنه في حال إذا ما تعارضت قوانين الدولة وتعليمات الحكومة مع فحوي الفتاوي الصادرة عن الحاخامات، فإن عليهم أن يتجاهلوا قوانين الدولة وتعليمات الحكومة والعمل وفق ما تقضي به فتاوي الحاخامات.

وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة، وتأثيرها داخل الجيش الإسرائيلي، هو أن أتباع التيار الديني الصهيوني في إسرائيل يشكلون بالكاد نحو 10% من مجمل السكان ويتجهون للسيطرة علي الجيش والمؤسسة الأمنية، من خلال التطوع للخدمة في الوحدات المقاتلة والمختارة، لدرجة أن مكتب الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي يؤكد أنه علي الرغم من النسبة المتدنية لأتباع هذا التيار في التركيبة الديموجرافية للدولة، فإنهم يشكلون أكثر من 50% من الضباط في الجيش الإسرائيلي، وأكثر من 60% من قادة الوحدات المختارة في هذا الجيش.

وبالنظر لمجموعة شهادات الجنود الواردة في ‘كسر الصمت’ حول تأثير الحاخامات علي سلوكيات المجندين القتالية، يمكن القول إن بوادر سيطرة المتدينين علي الجيش الإسرائيلي تجاوزت الكثير من الحدود، بعد أن أصبحت واقعا مجسدا ينعكس في تصرفات الجيش، ذلك الواقع الذي لا يمكن فصله عن ذلك التنامي المطرد للتوجهات الدينية العنصرية داخل المجتمع الإسرائيلي ككل، والتي تم التعبير عنها في أوضح صورها بمجيء حكومة ‘يمين اليمين’ بقيادة بنيامين نيتانياهو، زعيم حزب الليكود اليميني، وأفيجدور ليبرمان، زعيم حزب ‘يسرائيل بيتنا’ اليميني الفاشي.

المصدر
كاتب المقال : الاستاذ أحمد صلاح البهنسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


إغلاق