الارشيفتحليلات واراءشؤون دولية

 جنة أوباما – الاستسلام في الداخل والحرب في الخارج

قد يقدم كتاب طارق علي الجديد «جنة أوباما» دعاية رائعة لفيلم قادم.إنه يثير الفكر ويدغدغ المشاعر، ومثل أي عرض قصير لفيلم، يترك القارئ راغبا في المزيد.تتسم فرضيته في صميمها بالقوة، وحججه المؤيدة مقنعة إلى حد كبير.

ولكن في بعض الأحيان، يبدو أن قلم المؤلف يسبق القارئ كثيرا، تاركا بعض الادعاءات غير المفسرة من ورائه.

في مقدمة كتابه الجديد «جنة أوباما»، كتب طارق علي تنويها مثيرا للفضول عن نطاق موضوع أحدث أعماله، حيث كتب: «هذا تقرير تمهيدي عن الألف يوم الأولى في إدارة أوباما.

ولا شيء أكثر من ذلك».

يجمع هذا الوصف المتواضع بين الدقة والخداع.

في الحقيقة، كتاب علي تمهيدي، ولكن كذلك هي جميع الكتب التي تدور فكرتها حول أوباما والتي تنشر من الآن وحتى نهاية فترته الرئاسية.

لن يمكث كتاب علي، الذي كتبه قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية مباشرة، طويلا في المكتبات، بل وربما تكون صلاحيته قد انقضت في الوقت الحالي.

ولكن يسمح النطاق الزمني للكتاب بأن يبني سرده حول لحظة فريدة في التاريخ السياسي الحديث.

عشية التغيير السياسي الوشيك، ينظر الكاتب إلى الوراء حيث فترة الرئاسة الوليدة لرجل دخل البيت الأبيض برسالة التغيير، وقائمة من الوعود التي، وفقا لعلي، لم يكن ينوي تنفيذها.

وكما ورد في تنويه علي، يبدو كتاب «جنة أوباما» وكأنه «تقرير».

ومثل أي مراسل جيد، يجمع المؤلف الحقائق والأقوال، ويستخدمها، جنبا إلى جنب، لتكوين تحليله الخاص للتاريخ الرئاسي الحديث.

ولكن بين يدي علي الماهرة، تتداخل الحقائق والأقوال بحرية مع الأسلوب المجازي والمبالغة، مما ينتج عنه مزيج من المناقشة الشعرية ممتعة القراءة وفي بعض الأحيان صعبة الاستيعاب.

هناك قدر كبير من الأخبار في الكتاب، ولكنه أيضا يحتوي على كثير من الهزل.

وكلما فضل علي الهزل على الخبر، تعبث عقلانيته بالإثارة وسريعا ما يتحول أسلوبه الشعري إلى حديث خبير.

ونظرا للنطاق المختصر الذي يتناوله الكتاب وقيوده الزمنية، ليس من الأنسب اعتبار «جنة أوباما» تقريرا استقصائيا أو مقالا إيضاحيا، بل مقدمة دعائية لفيلم قادم.

إنه يدغدغ الأحاسيس ويثير بهجة بلا هوادة.

ويدعو الكتاب الجمهور باستمرار إلى إلقاء نظرة على ما خلف الستار، للتفكر في حجة معينة أو زاوية كاميرا محددة، قبل أن ينتقل سريعا إلى المشهد التالي.

إن أساليب علي شيقة ولكنها لا تحقق الرضا.

من جديد، ليس المقصود من «جنة أوباما» تحقيق «الرضا»، بل يهدف الكتاب إلى التنوير والتنقيب والإمتاع، وهو يحقق كل ذلك، ولكن بدرجة محدودة مخيبة للآمال.

ينقسم عمل علي الموجز إلى ثلاثة أقسام.

يحاول علي في الفصل الأول أن يضع انتخاب أوباما داخل سياق في ضوء تاريخ أميركا العرقي والسياسي المتداخل.

ويتناول الفصل الثاني أجندة السياسة الخارجية التي يتبناها الرئيس، مع اهتمام خاص بكل من أفغانستان والصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

وفي الثالث، تحت عنوان «الاستسلام في الداخل»، التركيز على أخطاء أوباما المحلية، وعلى وجه التحديد تلك المتعلقة ببرنامج الرعاية الصحية والإصلاحات المالية.

في كل فصل، يضيف علي مزيدا من ثقل الحقائق إلى ادعائه بأن أوباما، كما يقول، لا يزيد عن كونه «أكثر شبح مبتكر للإمبراطورية ذاتها».

ووفقا لعلي، تعهد الرئيس الأميركي الرابع والأربعون بقوة بأن ينفذ الأجندة الاقتصادية الليبرالية الجديدة ذاتها التي فرخت الأزمة المالية، وكذلك الأجندة السياسية الخارجية المضللة التي زرعها رونالد ريغان وانتهجها جورج بوش الابن بتطرف مفزع.

وفي الداخل، استسلم بصورة صارخة لمصالح الشركات، في حين أظهر نفسه بدهاء كشخص مثالي يحاول فقط أن يفعل «الصواب» وسط بحر قاس من الواقع السياسي.

تتسم الفرضية التي يناقشها الكتاب في صميمها بأنها هائلة وحججها المؤيدة قوية إلى حد كبير.

ولكن في أكثر من مرة يبدو أن قلم الكاتب يستبق كثيرا القارئ، تاركا ادعاءات غير مفسرة من ورائه.

ربما يمضي علي صفحات عدة من دون أن يضع أساسا لحجة واحدة، فقط ليقدم تفاصيل تبدو مهمة ويعلن ضمنا أنها معطيات مطلقة.

وتظهر هذه العادة على وجه التحديد بصورة صارخة في الفصل الثاني، عندما يقدم المؤلف سلسلة من العبارات التعريفية حول الآليات التي تدعم لعبة الدبلوماسية في الشرق الأوسط، من دون تقديم دعم توجد إليه حاجة شديدة.

من حسن الحظ أن كتاب علي مسلط بدرجة كافية لجذب انتباه القارئ بعيدا عن رقابته العرضية، ومتجانسة بما يكفي لاستمرار تقدم السرد.

ولكن من الممكن أن يكون لكتابته القوية رد فعل عكسي، حيث يضخم الحجج الواقعية الجوهرية بإضافة أمور سطحية تناقض ذاتها.

ينتقد علي أوباما بشدة بسبب خطبه التي تتميز باللباقة والفراغ المذهل.

ولكنه يمكن أن يطبق الانتقاد ذاته بسهولة على كتابه.

مثال على ذلك، «في حين أظهرت الحربان في العراق وأفغانستان إشارات عدة على الضعف، استمرت وسائل الإعلام في الإعلان عن أن (السلام هو الحرب) و (الحرب هي السلام)».

وبذلك ينتقد شيئا مشابها لما يفعله هو شخصيا.

في الوقت ذاته، يتدرج استخدام المؤلف للاستعارة ما بين ما هو غير متقن (من المؤسف أنه لم يتم التوصل إلى دواء سياسي لمعالجة الفساد السرطاني لدى الساسة الأميركيين) إلى السخيف (يملك التقارب مع السلطة قدرة غير مدهشة على تحوير النخاع الشوكي لرجل السياسة إلى مادة هلامية صفراء لامعة).

وفي بعض الأحيان، يأتي أسلوبه البلاغي المتحمس عابسا وانتقاميا بلا داع.

في نهاية الفصل الأول، على سبيل المثال، يندد المؤلف بشدة بحملة ميشال أوباما المناهضة للسمنة من دون سبب حقيقي أيا كان.

إنه نوع من جذب الاهتمام، ولغة صناعة الأقوال التي تُضعِف كتابا ذا فكرة جيدة.

ولكنه أيضا عنصر جيد لدعاية سينمائية جذابة، تلك التي تعرض أهم ما على السطح، وتحفز الحواس وتثير الخيال.

وكما هو الحال مع كل فيلم دعائي قصير رائع، يترك كتاب «جنة أوباما» القارئ في حاجة إلى المزيد.

«جنة أوباما: الاستسلام في الداخل والحرب في الخارج» طارق علي فيرسو، 2010 16.95 دولار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


إغلاق