بقلم رئيس التحرير

نظرية التعاون الايجابي في الفلسفة السلطانية للعلاقات العمانية – الخليجية

الاستاذ . محمد بن سعيد الفطيسي - رئيس التحرير

انطلقت العلاقات العمانية الخليجية منذ بواكير النهضة المباركة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم “اعزه الله” من فلسفة سياسية واضحة المعالم , تتحرك بناء على منهج راسخ من المبادئ والقيم واخلاقيات السياسة الخارجية, وحافظت عليها كما هي رغم تقلبات الانظمة العالمية وصراع المصالح الجيوسياسية والفوضى المتصاعدة في العلاقات الدولية بسبب تلك المتغيرات والتحولات العابرة للحدود الوطنية في بيئة اقليمية شديدة التعقيد والاضطراب.

وان كان من استثناء يحسب لنموذج السياسات العمانية التي تحرك العلاقات مع مختلف دول العالم بوجه عام , ومع الاشقاء في الدول الخليجية على وجه الخصوص فهو تلك المقدرة على صناعة التوازنات السياسية والتي يقصد بها : مؤامة المصالح السياسية المادية مع الاخلاق السياسية المثالية في البيئة الدولية . والتي حافظت عليها بكل حياد وتعاون ايجابي وروح اخوية بالرغم من اختلاف وجهات النظر وتضارب المصالح واختلاف وجهات النظر حول بعض القضايا ذات الارتباط المشترك على الساحة الاقليمية او الدولية .

ويعد الفكر السياسي العماني . والذي ينطلق بدوره من رؤية وفلسفة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد “حفظه الله . الموجه للعلاقات العمانية – الخليجية من النماذج السياسية الناضجة والتي يحتذى بها في بناء علاقات دولية نموذجية . ويجد الباحث ان هذا الفكر ليس وليد اللحظة او ضرورات او متطلبات المحيط الاقليمي او يقتصر على العلاقات العمانية الخليجية . او ينبع من مرئيات مؤقته بعيدا عن المنهج والرؤية المستقبلية . بل هو امتداد لمنهج وفكر سياسي تاريخي وعالمي تتعامل به السلطنة العمانية مع جل العلاقات والسياسات الدولية انطلاقا من ثوابت ومبادئ السياسة الخارجية العمانية .

الا ان العلاقات العمانية- الخليجية بالطبع تأخذ طابع استثنائي لاعتبارات عديدة ومختلفة يقع على راسها روابط الدين والدم وعوامل تقارب الجغرافيا والتاريخ المشترك , وتعززها المصالح سواء من الناحية السياسية او الامنية او الاجتماعية والاقتصادية , وهو ما يجعل من متطلبات التعاطي معها ومحددات توجيهها تأخذ طابع غير تقليدي بكل المقاييس , فليس من المقبول او المعقول ان تعيش كفرد بين اسرة دون ان تضع في حساباتك مصالح افرادها او مراعاة ظروفهم ومتطلباتهم واختلاف افكارهم وتوجهاتهم بقدر الممكن والمستطاع , وكذلك دون ان تكون لك القدرة على تحمل اختلافاتهم وخلافاتهم وحتى تضارب مصالحهم معك .

والباحث في تاريخ تطور العلاقات العمانية الخليجية وكذلك في تلك المرئيات والسياسات التي تعاملت بها سلطنة عمان مع الاشقاء في دول مجلس التعاون الخليجية يلحظ انها ترتكز على اسس ومبادئ غاية في الثبات والرسوخ والتوازن العقلاني والاخلاقي والنظرة الايجابية . وفي الحدود الممكن تحقيقها دون مغالاة او تفريط في الاهداف والاماني . وفي هذا السياق يقول جلالته ” اعزه الله” ( …. اما بالنسبة لمنطقة الخليج وشعبها فنحن جيران وشعبنا شعب واحد , ولن ندخر أي وسع للمساعدة او المساندة في حدود ما يمكن القيام به من اجل المصلحة العامة )([1])

على ضوء ذلك يمكن التأكيد على ان ابرز تلك الثوابت التي تحرك وتوجه العلاقات العمانية الخليجية هو ( البناء على الايجابيات وعلى الموضوعات المتفق عليها , اما القضايا الخلافية فكانت تترك للتطورات والمعطيات مع الاستمرار في تدارسها حتى يمكن التوصل الى توافق بين الاطراف المختلفة )([2]) حولها . وهو ما اكده الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية العمانية في لقاء له مع الوفد الاعلامي الايراني في مسقط بتاريخ 12/11/1989م بقوله ( لذلك اذا توجد مشكلة في مجلس التعاون ليس عليها اجماع تؤجل الى ظروف افضل ).

بالتالي فان ( عمان لا تخطو خطوة ما لم تكن تلك الخطوة محسوبة ومدروسة بعناية من حيث ايجابياتها وسلبياتها , وملاحظة مؤشر محصلة الايجابيات والسلبيات الى أي اتجاه يميل , فاذا مال ذلك المؤشر نحو الايجابيات فان فلسفة النهضة العمانية تدعو الى تنفيذ تلك الخطوة , واما اذا مال المؤشر الى السلبيات فان الفلسفة تدعو الى رفضها وتعديلها ان امكن . بحيث تميل الى مؤشراتها في حال التنفيذ لصالح الايجابيات , فليس في عالم السياسة شر مطلق على طول الخط , ولا خير مطلق على طول الخط , بل لابد من تداخل الامرين)([3])

يضاف الى ذلك عدم المغالاة في العواطف او الاندفاع والتسرع في التعاطي مع فكرة التعاون دون تدرج . انطلاقا من عقلانية السياسة وواقعية العلاقات الدولية , ونظرية المعطيات الايجابية في الفكر السياسي وفلسفة التعاون لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس ” اعزه الله ” ( فالخوف يكمن في ان يؤدي ذلك الى احباط الآمال والاماني , وان كان ذلك لا يعني اغفال ان هناك امكانيات كثيرة لتوسيع مجالات التعاون وتطوير التجربة بما يؤدي في مرحلة لاحقة الى تحقيق مستويات متقدمة من التوحد او الاندماج الكامل )([4]) .

وهو ما يؤكده النظام الاساسي للمجلس والذي يشير الى هذا الاتجاه بكل وضوح وصراحة . حيث يستهدف المجلس تقوية اوجه التعاون وتوثيق عرى الروابط في ما بين دوله ( استكمالا لما بداته من جهود في مختلف المجالات الحيوية التي تهم شعوبها وتحقيق طموحاتها نحو مستقبل افضل وصولا الى وحدة دولها )([5]) وهو ما عني من ناحية اخرى ان اماني الوحدة والتعاون لا تعني حرق المراحل او تجاوز قاعدة اختلاف المصالح وتدرج اهميتها واولوياتها بالنسبة لكل دولة . او تجاوز فكرة التعاون والوحدة الى ابعد من ذلك دون تريث وعقلنة للخطوات والتوجهات والطموحات في حدود الامكانيات المتاحة لكل دولة على حدى. وهو ما قصدة جلالته بقوله (…. في حدود ما يمكن القيام به من اجل المصلحة العامة ).

وبالتالي فان مجلس التعاون هو ملتقى خليجي اخوي للتشاور والتفاهم وتبادل الآراء والافكار والتعاون والتنسيق ما بين دوله حيال مصالحهم والتحديات التي تعيق تقدمهم , بما يؤدي في نهاية المطاف الى وحدة النظر والراي والتوجه القائم والقادم , وهو ما اكده جلالته “اعزه الله ” بقوله : ان ( الرؤية العمانية هي الاسم نفسه للمجلس , المجلس هو للتعاون , وهو ليس اتحاد , …. انما يتطور بعد ذلك الى شيء اسمه وحدة )([6]) .

لذا رفض جلالته النظر الى هذا المجلس على اساس انه ( تجمع انظمة سياسية بقدر ما هو تجمع ارادات سياسية تبحث عن التعاون وتسعى الى اقامته ….- او يعكس انطباع غير ايجابي او – يؤدي الى تفسير هذا النشوء على خلفية اقامة حلف عسكري مضاد – او – تحويل المجلس الى منظمة اقليمية او شبه اقليمية تمارس من خلالها بعض الدول الاعضاء نفوذا على دول الجوار وعدم استخدام الاوضاع والترتيبات الجماعية ذريعة للانتقاص من السيادة الوطنية للدول الاعضاء او التعدي عليها )([7]) او التدخل في شؤونها الداخلية .

 

وفي هذا السياق تحديدا قال جلالته ” حفظه الله ” في رد على سؤال وجه اليه حول احتمال فتح حوار بين دول الخليج والاتحاد السوفيتي واقامة علاقات طبيعية معه مع بدايات قيام المجلس . ( ان الحوار مع موسكو والعلاقات معها ليست مسالة جماعية تخص مجلس التعاون , لان المجلس ليس تكتلا سياسيا . فكل دولة لها سياساتها الخاصة تمارسها منفردة حسب مقتضيات مصلحتها الوطنية )([8]) وهذا الامر بكل تأكيد لا يتعارض ابدا مع سياسات المجلس ولا مع نظامه الاساسي من جهة , كما انه لا يتعارض كذلك وبشكل مطلق مع فكرة التعاون المشترك بين دوله . وهو ما اكده جلالته ” اعزه الله ” بقوله : ( قبل ان يكون هذا المجلس كانت للدول الست – الاعضاء فيه – سياسات وعلاقات منفردة مع عدة دول في العالم , وعلاقات عمان مع اي دولة ولدت قبل تكوين المجلس , ولكن ليست هناك قواعد او التزامات في هذه العلاقات تضر السيادة العمانية او سيادة المنطقة لان ذلك غير وارد )([9])

والمتمعن في رؤية جلالته ” حفظه الله” نحو فكرة التعاون بين قيادات المجلس على اعتبار انها تجمع ايجابي للإرادات السياسية الهادفة لتحقيق طموحات الاوطان والشعوب وليس تجمع للأنظمة . يجد انها . اي تلك الرؤية .تتلمس الجانب النفسي لاحتمالات التفكير سلبا في فكرة التعاون والتجمع , وتراعي ردود الافعال الاقليمية والدولية لبقية اطراف المنظومة الدولية حياله , خصوصا ان فكرة قيامه جاءت في فترة زمنية عصيبة ومليئة بالاضطرابات والفوضى . اما من جهة اخرى , فاراد له جلالته كعضو يمثل بلد بحجم عمان في هذه المنظومة ان يكون هذا التعاون بين قياداته املا لمستقبل شعوبه . ( شعوب المنطقة التي تنظر الى العلاقات القوية بين زعمائها بانها تجسيد لمشاعرها وامالها )([10]) ومن هذا المنطلق تحددت واستمرت نظرية التعاون الايجابي في الفلسفة السلطانية للعلاقات العمانية – الخليجية حتى يومنا هذا .

[1] – لقاء صحفي مع جلالة السلطان تم نشره بالعدد الاسبوعي بجريدة الجمهورية المصرية , بتاريخ 8/7/1972م 

[2] – د. محمد بن مبارك العريمي , الرؤية العمانية للتعاون الخليجي , مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية , ع 121, ط1/2007م 

[3] – د.هادي حسن حمودي , فلسفة النهضة- المبادئ والاهداف -, اصدار وزارة الاعلام العمانية , مطابع مؤسسة عمان للصحافة والنشر والتوزيع , بدون ط/ بدون ت

[4] – د. محمد بن مبارك العريمي , الرؤية العمانية للتعاون الخليجي , مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية , ع 121, ط1/2007م 

[5] – النظام الاساسي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية- www.gcc-sg.org

[6] – حديث صحفي مع جلالة السلطان قابوس , صحيفة الخليج الاماراتية / الشارقة , بتاريخ 11/1/1986م

[7] – د. محمد بن مبارك العريمي , الرؤية العمانية للتعاون الخليجي , مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية , ع 121, ط1/2007م 

[8] – حوار مع جلالة السلطان قابوس “اعزه الله” مع مجلة المستقبل (باريس) بتاريخ 30/10/1983م , نقلا عن جريدة عمان , ع 909 / س3/ م 12 

[9] – لقاء مع جلالة السلطان قابوس “اعزه الله” مع مجلة المجلة ( باريس ) بتاريخ 3/5/1982م . اعادت نشر اللقاء صحيفة عمان في نفس التاريخ . بالعدد 450 .م 6

[10] – لقاء مع جلالة السلطان ” اعزه الله” صحيفة المدينة ( السعودية ) بتاريخ 29/9/1981م . نقلا عن صحيفة عمان العمانية , س1/ع 267, م 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


إغلاق