بريد القراء

مجلس الشورى مستقبل عمان الحديثة فلا تُضيّقوا عليه

د.صالح المسكري - صحيفة اثير العمانية

مارس العمانيون الديمقراطية وعرفوا المشاركة السياسية منذ زمن بعيد، ، وكان السلاطين والأئمة السابقون من قبلهم لا يقطعون أمرًا قبل التشاور مع المستشارين ومجالس أهل الحل والعقد وأخذ رأيهم ونصيحتهم ، ومعروف أن الشورى هي من أسباب دخول أهل عمان في الإسلام وإيمانهم ونصرتهم لرسالة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم .

واهتم العمانيون بإقامة مجالس البَرزة والسَّبلة كنظام سياسي واجتماعي في حياتهم ، وهي مجالس مفتوحة يعقدها المسؤولون والوجهاء مع أهل الخبرة والرأي ، وأصبحت الشورى ثقافة راسخة في عادات العمانيين وتقاليدهم ، وأول ما يُبادر العماني أخاه إذا لقاه هو سؤاله عن العلوم والأخبار رغبة في معرفة الجديد والمشاركة بالرأي في إدارة شؤون البلاد ولا يزالون

وفي العصر الحديث أولى جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه اهتماما عاليا بالموروث الثقافي العماني بمختلف أبعاده ، وفي مجال المشاركة السياسية تحديدا أتاح جلالته الفرصة مبكرا للمواطنين لإدارة شؤون بلادهم منذ السنوات الأولى لنهضة البلاد ، حيث تطورت الممارسة البرلمانية والمشاركة السياسية كثيراً منذ قيام أول مجلس للشورى في البلاد عام 1981م حتى صدور التعديل الأخير للنظام الأساسي للدولة في 19 اكتوبر سنة 2011م وتوسيع صلاحيات واختصاصات مجلس عمان بغرفتيه الدولة والشورى وإن كنت لا أرى وجاهة في أن توضع اول 34 من المادة 58 التي يغلب عليها الطابع الإجرائي والشكلي في صلب النظام الأساسي للدولة لصعوبة تعديلها مستقبلاً ، ولو أن هذه المواد جاءت في قانون آخر مفسر أو مكمل للنظام الأساسي كقانون مجلس عمان ( المؤجل ) مثلاً لكان أفضل حيث يستطيع الأعضاء في المجلسين تعديل القانون في أي وقت وفق الإجراءات العادية حسب احتياج كل مرحلة وظروفها وتطور معيشة الناس فيها .

إن تقييد حركة مجلس الشورى بموافقات الحكومة التي توسعت صلاحياتها هي ايضاً مع تعديل النظام الأساسي للدولة وجعل منها شريكاً في كل عمل يقوم به مجلس عمان واحياناً الشريك الأقوى الذي يقرر مصير التوجهات والمقترحات ومشاريع القوانين يأخذُ منها ما يشاء ويرغب عن ما يشاء، هذه الشراكة تجعل من مجلس الشورى أو سلطة التشريع هي الحلقة الأضعف في سلسلة السُّلطات والمؤسسات العامة في الدولة ، وتُرسّخ لمفهوم التبعية وعدم فصل السلطات الذي هو من أقدم مبادئ الديموقراطية وأهمها كما يقول المفكر السياسي الفرنسي مونتسكيو .

حتى وجود مجلس الدولة أمام مجلس الشورى في تقديري هو مُعوّق ومعطل في كثير من الأحيان لأعمال مجلس الشورى وصلاحياته واختصاصاته ، حيث إنه من المعروف أن نظام المجلسين يؤدي الى بطء وتعقيد الوظيفة التشريعية ،ويُضعف الاساس الديمقراطي الشعبي المفترض للتمثيل النيابي ، ويُكلف الدولة أعباءً مالية إضافية ، وربما يكرّسُ الطبقية المرفوضة بين أبناء الوطن الواحد ويخلق ارستقراطيات جديدة اساسها التاثير المالي والشرفي ولا يخفى شرها ورفض المجتمعات لها في العصر الديموقراطي الذي نعيش فيه ، وطالما أن السيادة لا تتجزأ فلا يجوز اذاً ان تتجزأ السلطة المعبرة عن إرادة الشعب التي هي البرلمان ، فالشعب هو مصدر السُّلطات جميعاً وحارسها ومن حقه أن يفهم ما يدور حوله ويحاسب المسؤول ، اضافة الى أن نظام المجلسين لا يخدم اطلاقاً تماسك الأمة وتكامل بنائها ووحدة قرارها.

إن إضعاف مجلس الشورى بالطريقة التي نراها الآن يُسيء للمصلحة العامة ولمبدأ دولة القانون والمؤسسات الذي نردده كثيراً في اعلامنا ، ويضعف كثيراً من ثقة الشعب في مردود المجلس وعطائه ، والمواطن لا شك يفهم ما يدور حوله ويعرف من هو المُعطل الحقيقي لأعمال مجلس الشورى والمهيمن على توجهاته ومنطلقاته وأهدافه ، لكن ان يصل التراجع في هذا المجلس الذي هو ” مستقبل عمان الحديثة ” للحد الذي لا يستطيع معه أن يستجوب وزيراً يقدم الخدمات للشعب ، واذا وافقت الحكومة ” مشكورة ” على ذلك فانها تشترط عقد جلسة سرية وغالباً لا توافق ، فان هذا يعد خلطاً مرفوضاً للسلطات والاختصاصات المقررة لكل سلطة ، ولا يستطيع مجلس الشورى دعوة أي وزير مما يُسمى بالوزارات السيادية ولا مساءلته ، وهي الجانب الغالب في البلاد سواء من حيث العدد أو من حيث الإمكانات والعدة ومصاريفها بالمليارات ، لانها متسلحة بالحصانة السيادية وذاتها لا تمس من دون ان يقر لها القانون بذلك ، بل إن بعضهم يضفي الى ذلك شرعية قانونية ويقول بأن النظام الأساسي نص على دعوة وزراء الخدمات فقط دون غيرهم ، ونسى ان النظام الأساسي أيضاً لم ينص على سيادية أي وزارة ولم يتناول في نصوصه غير سيادة الوطن والذات السلطانية يحفظه الله التي لا تمس ، إذاً لا سيادة الا للأوطان وما نصت عليه مواد النظام والقانون .

مجلس الشورى وصل به الحال انه لا يتلقى ردوداً من الجهات الأخرى واذا جاءت فربما بعد سنوات ، ونما الى علمي ان عددا من أعضائه الحاليين اعلنوا عن عدم ترشحهم للفترة القادمة وهم خيرة أعضاء المجلس ورأس الحربة فيه الذي اثبتوا انهم لم يأتوا للتكسب أو للشهرة ، ووصل به الحال أيضاً مع شريكه مجلس الدولة انهما لا يستطيعان البت في قانون يعنيهما وينظم عملهما مع الحكومة واعني هنا مقترح قانون مجلس عمان المحال من مجلس عمان للحكومة منذ بداية الفترة الخامسة – أكثر من ست سنوات – ولم يعُد اليهما حتى اليوم لا بالموافقة ولا بغيرها ، وضعُف الطالب والمطلوب .

مجلس عمان وبالخصوص مجلس الشورى يمثل كل عماني وهو حاضر الأمة ومستقبلها الساهر على مصالحها ، وإضعافه أو التقليل من شأنه هو في الحقيقة اضعاف وتقليل للإرادة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم حفظهُ الله ورعاه الذي يهتم بهذا المجلس ويقدم له كل أسباب النجاح والمساندة ليكون شريكاً في دعم القرار السياسي وفي رسم السياسات والتوجهات العليا للدولة، واختاره لان يكون عين الأمة على أي نشاط تقوم به الحكومة لتحقيق المصلحة العامة ، وفي المقابل أن يضع يده بيد الحكومة في تقدير وتقرير مصالح المواطنين وحقوقهم ورفاهيتهم على قاعدة توافقية لا غالب ولا مغلوب .

وهناك عوامل واضحة ساعدت في تكريس صورة البرلمان الضعيف لدى الجمهور ، وأفرزت ما نراه من تراجع في العملية الانتخابية في فترات سابقة ، ولا بد للجهات المعنية ان تتحلى بالواقعية والشفافية عند معالجتها للموضوع مستقبلا لأنه يتجذر وينتشر ويؤثر على المصالح الوطنية العليا وعلى مصداقية بناء دولة القانون والمؤسسات التي نطمح اليها.

من هذه العوامل العلاقة بين المجلس والحكومة التي تحتاج الى تقييم شامل وشفاف يتجاوز فكرة ان الحكومة هي المظلة الكبرى وأنها أم السلطات كما يحلو للحكوميين تصويرها، هذه العلاقة لا بد من مراجعتها ووضع قانون او بروتوكول عمل ينظم عملها ويقرّب وجهات النظر وبناء جسور التعاون والثقة بين مجلسي عمان والوزراء لتحقيق المصالح العليا للبلاد .

وما يتعلق بالتواصل بين الهيئة البرلمانية التي أرخت زمام القيادة في المجتمع ،وبين عامة الناس الذين بدورهم لا يزالون ينظرون الى عضو البرلمان بأنه وليهم في الدنيا الذي يعلم ويوظف ويزوج ومعه أختام الحكومة ، وأنه صاحب الكرامات الذي يمسك بعصا موسى، فان لم يستطع تحقيق المطلوب فهو عضو فاشل ومقصر .

ومن الأسباب أيضا وجود بعض الأعضاء التقليديين المنغلقين على عقلياتهم القديمة وهم يقضون أوقاتهم في ملاحقة الواجبات الاجتماعية ، ما يسمعون عن مناسبة الا حضروها ولا عن لقاء مع المحافظ أو الوالي الا تصدروه ، مريحين دماغهم عن القراءة والبحث والاطلاع تجدهم مشتتين بتفاصيل صغيرة لا تمت لاختصاصهم بشيء وهم ينازعون المجلس البلدي في اختصاصه ، ليضعوا بذلك باقي زملائهم الجادين في الحرج وتحمل المسؤولية .

ولا ننسى بعض وسائل الإعلام التي تسهم في التشويش على عطاءات الشورى وعلى بعض الأعضاء ” وأقول بعض لأن هناك من هم أصدقاء للإعلام ” الأمر الذي شجع الفارغين في مواقع التواصل الاجتماعي ان ينشروا تسجيلات صوتية ومرئية مسيئة لمرشح مجلس الشورى وللشخصية العمانية عموماً .

ولا يمكن لأي برلمان أن تنال نتائجه حظاً من النجاح والقبول في المجتمع اذا لم تتوفر لهذه النتائج آلية واضحة للتطبيق ، تماماً كالأحكام القضائية لا يمكن لها أن تحوز على القوة والقبول والمصداقية اذا لم يدعمها قانون آخر يسمى قانون تنفيذ الأحكام القضائية ، فاذا أصدر مجلس الشورى توصية أو قدم رأياً أو مقترحاً ولم تلتفت اليه الجهات المعنية فلا يُلام المجلس هنا ولا أعضاؤه، انما تلام الجهات لعدم اعتمادها رؤية وآلية واضحة لتنفيذ تلك الأعمال، واذا طلب المجلس استجواب وزير يرى أنه مقصر في عمله ورفضت الحكومة طلبه لأسباب ترى وجاهتها كهيبة الحكومة مثلاً ، او اقترح قانوناً وظل في أدراج الحكومة شهورا وسنوات كقانون مجلس عمان مثلاً ، أو صدرت قوانين دون أن يطلع عليها ” كقانون انتخابات أعضاء مجلس الشورى وقانون الجنسية وغيرها ” أو قدم دراسة لحالة اقتصادية أو ظاهرة اجتماعية وذهبت للحكومة في طريق اللّاعودة ، فلا يمكن أن يُلام المجلس وحده ويوصف بالضعف والتقصير لأنه بذل ما بوسعه وفق الصلاحيات المتاحة وسعى وليس بيده إدراك النجاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق

إغلاق