تحليلات واراء

ما هو أكبر من الاعتذار الإسرائيلي؟

د.أسامة نورالدين

تتعامل إسرائيل مع المجتمع الدولي بشيء من الغطرسة والاستعلاء، وصل لدرجة كيل التهم وتوجيه الإدانات لدول وحكومات أخرى، مثلما حدث مع بولندا مؤخرا، والتي اتهمها يسرائيل كاتس وزير الخارجية الإسرائيلي بالوكالة في مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية بالتعاون مع النازية خلال المحرقة “الهولوكوست”، ليس هذا فحسب، بل ووصل الأمر لاتهام الشعب البولندي بمعاداة السامية، وأن أبناءه رضعوا العداء للسامية من أمهاتهم، تلك التصريحات التى تفتقد للباقة واللياقة والدبلوماسية، وتنم عن جهل تام بأبجديات العملية السياسية، وذلك في وقت تسعى فيه الحكومة الإسرائيلية لأن تكون رقما كبيرا في معادلة الشرق الأوسط الجديد الذي يتم تشكيله بمعاونة الشركاء الأميركان.
ولا تعبأ إسرائيل بتقديم اعتذارات عن أفعالها المخالفة لكل الأعراف والمواثيق الدولية، وتمضي في غطرستها دون خوف من مواقف دولية منددة بتصرفاتها، ولا من عقاب دولي تفرضه عليها الدول التي ترتكب في حقهم مخالفات جسيمة تضر بصورة ومكانة تلك الدول، وهي في هذا تعتمد على ما تحصل عليه من دعم اللوبي الصهيوني في مختلف دول العالم، والذي يؤمن لها الاستمرار والتعالي في سياساتها الداخلية والخارجية.
وللأسف الشديد لا تتخذ أغلب الدول التي توجه لها الإهانات مواقف حقيقية تنم عن غضبها إزاء التصرفات الإسرائيلية، ومن ذلك ما حدث في قمة فيسجراد التي تم إلغاؤها والتي كان مقررا عقدها في القدس المحتلة، حيث تحولت اللقاءات بين الدول المشاركة في القمة، التشيك وسولوفاكيا وهنغاريا، وبين بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي ـ حسب موقع العربي الجديد ـ إلى لقاءات ثنائية، ليقتصر رد الفعل على بولندا التي طالبت إسرائيل بالاعتذار عن تصريحات وزير خارجيتها غير المسؤولة.
وفي الواقع ليست هذه هي المرة الأولى التي ترتكب فيها حكومات إسرائيل مثل تلك الحماقات السياسية والدبلوماسية والاعتذار عنها، إذ سبق وأن رفضت إسرائيل الاعتذار من تركيا بعد الهجوم الدامي على سفينة “ما في مرمرة” التي كانت ضمن أسطول الحرية المتجه إلى قطاع غزة في مايو عام 2010، والذي راح ضحيته تسعة أتراك، حيث صرح وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي موشيه يعالون بأن الدولة العبرية ترفض الاعتذار، وجدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفضه الاعتذار من تركيا أكثر من مرة.
وما حدث مع بولندا وتركيا يحدث مع القوى العظمى بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة نفسها، إذ لم تعتذر إسرائيل عن إسقاط الطائرة الروسية ومقتل من فيها في أجواء اللاذقية بسوريا، ولم تقم روسيا برد فعل عنيف إزاء هذه الإهانة الموجهة مباشرة لها، وذلك على عكس ما فعلته عندما قامت تركيا بنفس الأمر، إذ أقامت الدنيا ولم تقعدها حتى اعتذرت تركيا عن إسقاط الطائرة، بعد أن قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالسفر لروسيا للاعتذار وتقديم التعازي لأسر الضحايا.
ولم يختلف الأمر مع الولايات المتحدة التي اكتشفت تجسس إسرائيل عليها من خلال الموظف بالبحرية الأميركية جوناثان بولارد الذي قدم كنزا من المعلومات الاستخباراتية لإسرائيل والذي تم تخفيف حكم الإعدام عنه إلى السجن مدى الحياة، واللافت في هذه القضية، أن إسرائيل بدلا من تقديمها اعتذارا عن تلك القضية، نادي رؤساء وزرائها وجماعات الضغط لديها بالعفو عن الجاسوس، وكادت الولايات المتحدة أن تقوم بالعفو عنه مقابل بعض الامتيازات التي تحصل عليها من إسرائيل، إلا أن المفاوضات قد تعطلت في هذا الشأن ليتأخر الإفراج عنه لوقت لاحق.
وفي الواقع أن المجتمع الدولي في حاجة لما هو أكثر من الاعتذار، فإسرائيل ليست فوق القانون، ولا يمكن الصمت إزاء تصرفاتها غير المسؤولة إلى ما لا نهاية، لأن ذلك لا يقوض أسس المجتمع الدولي وحسب، وإنما يساعد في نشر الفوضى والدمار، ويسهم في ألا يعم الاستقرار منطقة الشرق الأوسط والعالم، فضلا عن أن السكوت عن هذه الحماقات إنما يسيئ للمجتمع الدولي بأسره، ويحوله لغابة تنتهك فيها إسرائيل كل الحقوق.
كاتب وباحث علاقات دولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



إغلاق