تحليلات واراء

ما الذي يمكن أن تتعلمه إدارة ترامب من سياسة أيزنهاور الصينية؟

جون بومفريت – واشنطن بوست – ترجمة قاسم مكي

في يوم 23 مايو 1959م ورد في صحيفة نيويورك تايمز أن الحكومة الأمريكية قررت بعد «أسابيع من المداولات الجادة» السماح لأربع حاويات روبيان مجمَد قادمة من «الصين الحمراء» بالمرور عبر الولايات المتحدة إلى كندا. وكان المسؤولون الأمريكيون قد أشاروا إلى أن مقتضيات الأمن القومي استوجبت حجز الروبيان عند حدود ولاية واشنطن (الأمريكية) مع كولومبيا البريطانية (الكندية). فأمريكا كانت وقتها تفرض حظرا كاملا تقريبا على السلع الصينية حتى تلك التي تعبر أراضيها. كما أوقف المسؤولون الأمريكيون أيضا شحنات صلصة فول الصويا المتجهة إلى كندا مما دفع بالصحيفة الأولى في كندا (تورنتو جلوب آند ميل) إلى التنويه في افتتاحيه بعنوان «أخطار صلصة الصويا» إلى أن الطعام الصيني لم يحدث أبدا أن شكل خطرا على الأمن القومي. وظل الكنديون الغاضبون ينادون بفرض رسوم جمركية على السلع الأمريكية إلى أن رضخت إدارة آيزنهاور ودعت مسؤولي جماركها إلى السماح بعبور شحنات الروبيان وصلصة الصويا. من المؤكد أن العلاقات الأمريكية الصينية قطعت شوطا بعيدا في تطورها منذ عام 1959، كما وثَقَت لذلك المؤرخة نانسي بيرنكوبف تَكَر في كتابها «تهديد الصين». لكن الجدل الدائر داخل إدارة ترامب وهي تشن حربها التجارية مع الصين يعكس إلى حَدٍ ما معارك الروبيان وصلصة الصويا التي دخلت فيها إدارة آيزنهاور. على أي نحو يلزم الولايات المتحدة التعامل مع الصين؟ ما حجم تجارتها المطلوب معها؟ ما الغرض من هذه التجارة ؟ وهل عليها التعامل مع الصين منفردة أم في جبهة متحدة مع الحلفاء؟ ورِث آيزنهاور المقاطعة التجارية للصين التي فرضتها واشنطن على بيجينج أثناء الحرب الكورية. وتحت الضغط الأمريكي وافق الحلفاء في أوروبا الغربية على تشكيل لجنة تنسيق مجموعة باريس الاستشارية لوضع قيود على التجارة مع الكتلة الشيوعية. وفي حين أن قدرا ليس هينا من التجارة سمح به مع الاتحاد السوفييتي إلا أن الصين خضعت لقيود أشد، وعلى الرغم من شكاوى حلفاء الولايات المتحدة خصوصا البريطانيين الذين كانوا يريدون السماح للشركات في هونج كونج بالاتجار مع الصين واليابانيين الذين اعتبروا التجارة مع الصين وسيلة لإعادة البناء عقب هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية إلا أن الكونجرس جعل تقديم العون لهذه البلدان التي مزقتها الحرب مرهونا بخضوعها للسياسة الأمريكية. رغما عن ذلك لم يكن آيزنهاور سعيدا بهذا الوضع إذ أبلغ اجتماعا لمجلس الأمن القومي في عام 1953 أنه من «الجنون إهدار» الموارد في تطبيق المقاطعة. وكشفت وثائق منشورة ودراسة المؤرخة تَكَر أن الرئيس كان يؤمن بأن التجارة مع الصين قد تساعد على فطام الصين عن ارتباطها «غير الصحي» بالاتحاد السوفييتي بل حتى بالمبادئ الشيوعية. كما اعتقد أيضا أن مقاطعة الصين كانت أقل ضررا عليها من حلفاء الولايات المتحدة في آسيا وأوروبا الغربية. فآيزنهاور القائد الأعلى السابق لقوات الحلفاء في الحرب الثانية يعلم أهمية الحلفاء. وأخيرا كان آيزنهاور متعاطفا بعض الشيء مع رجال الأعمال اليابانيين ونوه بأنه إذا أمكن لليابان الإتجار مع الصين فإن ذلك في النهاية سيخفف من العبء على دافعي الضرائب الأمريكيين الذين يسددون فاتورة إعادة بنائها. وفي هذا الجانب نجد أصداء آراء الرئيس الأمريكي الرابع والثلاثين (آيزنهاور) تتردد اليوم في الاعتقاد بأن الارتباط التام مع الصين سينتِج في آخر المطاف صينا أفضل وأن التعامل معها سيكون أفضل من خلال حلفاء أمريكا. وداخل إدارة ترامب لا يزال ستيفن منوتشين وزير الخزانة والبعض في وزارة الخارجية يتمسكون عموما بوجهة النظر هذه. وكان وزير الخارجية جون فوستر دالاس وشقيقه آلَيْن مدير السي آي أيه يدافعان عن الموقف المضاد في أعوام الخمسينات. لقد سعى الشقيقان إلى عزل الصين وكانا سعيدَين بالضغط على الحلفاء. وقد سبق إجبار اليابان على التوقيع على اتفاقيه سرية خلال إدارة ترومان لتقليص تجارتها مع الصين إلى حد أدنى مما قررته لجنة التنسيق، وكانت حجتهما هي أنه كلما أجبِرَت الصين على الاعتماد على الاتحاد السوفييتي كلما زادت الضغوط على العلاقة بين موسكو وبيجينج، وكلما اهتز الاقتصاد السوفييتي تحت ثِقَل ضرورة دعم الرفاق الصينيين. ولم يكن الشقيقان دالاس وآخرون يؤمنون بأن التجارة الأمريكية ستسهم في تغيير الصين إلى الأحسن. بل بدلا كانوا يرون أن التجارة مع الصين فقط ستعزز النظام الشيوعي. تلك الآراء تتردد الآن داخل إدارة ترامب ووسط أولئك الذين يحاجون بأن على الولايات المتحدة خفض حجم تجارتها مع بيجينج والقبول باستثمارات أقل من الشركات الصينية والشروع فيما كان يعتبر مستحيلا قبل سنوات قليلة فقط، وهو «فك ارتباط اقتصاد الولايات المتحدة باقتصاد الصين». وفي البيت الأبيض يتمسك المستشار التجاري بيتر نافارو والممثل التجاري للولايات المتحدة روبرت لايتهايزر وبعض أعضاء مجلس الأمن القومي بهذا الموقف. وما هو مثير أيضا أنه على الرغم من الخلافات داخل إدارة ترامب حول أهداف حربه التجارية مع الصين (هل هو تغيير الصين أم فك الارتباط بها) إلا أن هنالك حتى الآن عموما اتفاق حول التكتيك وهو التأكيد على العلاقة الاقتصادية مع الصين عند أية انعطافة محتملة. رغما عن ذلك يقدم ما حدث لسياسة إدارة آيزنهاور تجاه الصين درسا مفيدا. بحلول عام 1953 بدأت المقاطعة الاقتصادية العالمية التي حاولت الولايات المتحدة فرضها على الصين في الانحلال والتفكك. ففي عام 1954 عقدت طوكيو اتفاقيه مقايضة مع بيجينج وأنهى مجلس الأمن القومي الاتفاقية الثنائية السرية مع اليابان التي وعدت اليابان بموجبها بفرض عقوبات اقتصادية أشد على الصين. ومع سريان الهدنة في الحرب الكورية شكت كل من ألمانيا والبرتغال و النرويج وبريطانيا والدنمارك للولايات المتحدة من عدم وجود مبرر للإبقاء على نظام العقوبات الصينية. وبعد فترة قصيرة وافقت الولايات المتحدة على بيع ماليزيا وبورما المطاط إلى الصين على الرغم من أن له استعمالاته العسكرية. وفي مايو 1957 أعلنت لندن أنها ستتوقف من طرف واحد عن التقيد بالعقوبات الصينية وستتعامل مع الصين بنفس طريقة تعاملها مع الاتحاد السوفييتي. ومن جانبها، أوصت وزارة الدفاع بفرض رسوم جمركية على المنتجات البريطانية لكن آيزنهاور لم يكن ليفعل ذلك. وفي عام 1958 افتتح الممثلون الصينيون بعثة تجارية في طوكيو، وبدأت الفروع التابعة للشركات الأمريكية في البلدان الأخرى مثل شركة فورد في كندا إلى جانب الشركات الزراعية في الولايات المتحدة في الضغط على الإدارة الأمريكية للسماح لها بالتجارة مع الصين. وبحلول ذلك الوقت بدأت سلعتا الروبيان وصلصة الصويا تشقان طريقهما عبر الحدود إلى الصين. لقد ساند آيزنهاور فكرة إنهاء المقاطعة على الأقل للبلدان الأخرى. لكن منعه من ذلك شيئان. أولا، لم يكن لديه رأس مال سياسي كافٍ لفعل ذلك. ثانيا، وهذا هام في ضوء الرد الصيني على الحرب التجارية في المستقبل، بدأت القوات الصينية في قصف الأراضي التايوانية مما جعل من المستحيل التقارب معها. وستكون تلك مهمة نائبه ريتشارد نيكسون الذي أنهى المقاطعة الأمريكية للصين بعد أن فاز بالرئاسة في عام 1968.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق