حصاد الصحف

ليست نكسة بل نكسات

الوطن العمانية

في كل مرة تحل فيها ذكرى النكسة التي شهدت عملية تطهير نفذها كيان الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني فيما يعرف بحرب الأيام الستة التي قام خلالها المحتل الإسرائيلي باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، بالاضافة الى سيناء المصرية والجولان السوري، يحيي الفلسطينيون هذه الذكرى المؤلمة وسط مشاعر مختلطة من الألم والحسرة، والأمل باستعادة ما اغتصب من حقوقهم بعد التحلي بالصبر والثبات والصمود والاستبسال، ومواصلة بذل كل نفيس وغالٍ نحو تحقيق هذا الهدف.
لكن اللافت أن هذه الذكريات التي تتعاقب على الشعب الفلسطيني لم تعد مقتصرة عليها، بل إن مسار القضية الفلسطينية أخذ يسجل بصورة ملحوظة نكبات ونكسات تضاف إلى ذكرى يوم النكبة وذكرى يوم النكسة وغيرهما، وإذا كان واقع القضية الفلسطينية يؤكد دخولها منعرجًا خطيرًا بالانكشاف الأميركي الفظ وغير المسبوق، وعلى غير العادة عما كان عليه الأمر، حيث كانت تعتمد الولايات المتحدة سياسة المواربة والتدثر بلباس الراعي لعملية السلام، والحريص على تحقيق السلام وإقامة ركائزه بين الفلسطينيين ومعهم العرب والإسرائيليون، ولكي تتقن هذا الدور نظمت العديد من مؤتمرات السلام وطرحت المبادرات التي كشف الواقع المعاش اليوم للقضية الفلسطينية أنه كان ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه العذاب، كما هو حال ما سمي بـ”خطة خريطة الطريق” في فترة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش “الصغير”، ثم خلفه الرئيس باراك أوباما الذي أعلن التزامه بحل “الدولتين” واللتين تحت مظلتهما كان العدو الإسرائيلي يمارس أفظع صور التعدي على الحقوق الفلسطينية من تهويد واستيطان استعماري، وصولًا إلى النحو الذي يراه الجميع بكل وضوح تام.
لذلك، وبناء على ما انتهى إليه الهدف من خطط الحل ومبادراته ومؤتمراته الأميركية بالتغيير الجذري الجغرافي والديمغرافي لصالح كيان الاحتلال الإسرائيلي، وجدت الولايات المتحدة الظرف المناسب لتكشف عن وجهها الحقيقي تجاه ملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي، أو الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، لتتقدم المشهد لكي تضفي عليه اللمسات الأخيرة، ولتكتب السطر الأخير في مسيرة ملف الصراع، وتطوي مسيرة دورها الذي لا يمكن وصفه إلا بأنه مخادع وغير شفاف، مارس أقبح صور التحايل والكذب للوصول إلى هذه اللحظة التاريخية الخطيرة بالاستعداد لإعلان ما اصطلحت على تسميته بـ”صفقة القرن”، ساعية من خلالها إلى دق المسمار الأخير في نعش القضية الفلسطينية، أو بالأحرى في نعش منظومة العمل العربي المشترك، ولتكشف بالقرائن والأدلة أن القضية الفلسطينية لم تكن ذلك الضمير الحي لأنظمة في المنظومة العربية وعملها المشترك، وإنما كانت منخرطة بصورة سرية في ما يعده ويطبخه الحليفان الأميركي والإسرائيلي.
ووفقًا لهذا القدر اليقيني الثابت، أصبح الوضع العربي وما وصل إليه من تفسخ وتردٍّ وانحدار نكسة ليست على الفلسطينيين وحدهم، وإنما على العرب جميعًا، وأضحى الوضع الفلسطيني المنقسم على نفسه والذي لا يريد أن يعي دوره في تعميق الجرح الفلسطيني والعربي، وفي تشجيع الحليفين الأميركي والإسرائيلي للوصول إلى هذا المنعرج الخطير ضد القضية الفلسطينية، أضحى نكبة فلسطينية فاقمت من تردي الوضع المنحدر بصورة سريعة لصالح مشروع الاحتلال الإسرائيلي.
وكم هو مؤلم أن يعز الصوت العربي الداعم للقضية الفلسطينية، وكم هو مؤذٍ أن يختفي وسط تراكم النكبات والنكسات، وكم هو مخجل أن تأتي مواقف معبرة عن امتعاض وانزعاج من الممارسات السياسية والميدانية لكيان الاحتلال الإسرائيلي من قبل دول غير عربية وغير إسلامية، في حين لا نرى أي موقف يقول لكيان الاحتلال الإسرائيلي ولحليفته الولايات المتحدة كفى ظلمًا، كفى قتلًا، كفى إرهابًا، كفى…كفى…
ومع ذلك تعود ذكرى النكسة التي توافق الخامس من يونيو، وخيط الأمل لا يزال ممتدًّا برؤية انتفاضة فلسطينية تلتحم فيها كافة أطياف الشعب الفلسطيني، وخصوصًا المنقسمين أو المتسببين في الانقسام، بحيث تكون مسيرات العودة الكبرى هي بداية التحول الفعلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق