تحليلات واراء

لماذا يسعى ترمب لخفض أسعار النفط العالمية؟

محمد مهدي عبدالنبي

أولا، في 19 أبريل 2018 لامس خام برنت لأول مرة خلال العام الجارى مستوى 74.75 دولار للبرميل، حينها بدأ ترمب في أطلاق تغريداته الاعتراضية على منظمة أوبك “بأن أسعار النفط المرتفعة والمصطنعة غير مقبولة”، ليأتي تدخل ترمب بنتيجة سعرية عكسية استمرت أكثر من شهر تحلق فيه أسعار خام برنت حتى حدود مستوى 80.49 دولار للبرميل.

ثانيا، في 30 يونيو 2018 سجل خام برنت فيها مستوى 79.70 دولار للبرميل في إغلاق اليوم السابق، حينها أعلن ترمب أن المملكة العربية السعودية وافقت على طلبة بزيادة إنتاجها النفطي لتعويض الفاقد من ليبيا وفنزويلا وللحد من ارتفاع الأسعار، هنا تلاقت على شاشات النفط الساخن رؤيتي الحليفين أمريكا والسعودية، واستجابت الأسعار للرغبة الأمريكية وبدأت في استراحة سعرية حتى مستوى 72 دولار للبرميل.

طفت على السطح اتهامات انتخابية بضعف جدوى الجولة الثانية من العقوبات ضد إيران، وزادت حدة المطالبات الأمريكية بتصفير صادرات النفط الإيراني إلى العالم

ثالثا، لم تجرؤ أسعار النفط على اللعب بفاعلية فوق مستوى 80 دولار للبرميل من أخر يونيو حتى 21 سبتمبر 2018، حينها خرج ترمب للمرة الثالثة ولكن أكثر غضبا واندفاعا في توزيع اتهاماته على الجميع للحد من أنطلاق الذهب الأسود فوق 80 دولار، وزاد ترمب من وتيرة اتهاماته لأوبك بالاحتكار والتلاعب بالأسعار ضد المصلحة الأمريكية وذكر دولا في الشرق الأوسط بأنهم لا يدفعون سوى ثلث الثمن المطلوب للحماية الأمريكية التي يتمتعون بها، بل وطفى على السطح مجددا الحديث عن قانون نوبيك الأمريكي الذى يسعى لتصنيف أوبك كمنظمة احتكارية كما يرفع الحصانة السيادية عن أعضاء أوبك لمقاضاتهم أمام المحاكم الأمريكية.

رابعا، اشتعلت المعركة السعرية لمدة تسع جلسات تداول فقط أنتفض فيها خام برنت إلى أعلى مستوى له خلال 2018 حتى مستوى 86.74 دولار للبرميل الذي سجله في يوم 3 أكتوبر 2018، وهو نفس اليوم الذي شهد القمة التاريخية لمؤشر Dow Jones الأمريكي عند مستوى 26951 نقطة، وفى فترة قصيرة تدل على نجاح التأثير السياسي لترامب على النفط حدث منذ الثالث من أكتوبر حتى إجراء الانتخابات النصفية الأمريكية في 6 نوفمبر 2018 تراجع جديد لخام برنت ليفقد نحو 14.94 في المائة ويستقر حول 72 دولار للبرميل مع دخول العقوبات الأمريكية على إيران حيز التنفيذ.

خامسا، تسلسل تلك المشاهد يؤكد على تحقيق رغبة ترمب في نفط منخفض السعر لعدة أسباب أبرزها ارتفاع الاستهلاك الأمريكي من النفط إلى ما يتجاوز العشرين مليون برميل يوميا، يتم استيراد نصفهم من الخارج خاصة من دول منظمة أوبك وذلك لتغطية الاستهلاك اليومي ولتقليص عجز الاحتياطي الأمريكي من النفط، وحسب تقديرات بلومبيرج فإن كل دولار زيادة فوق مستوى 65 دولار للبرميل يكلف الخزانة الأمريكية 10 مليون دولار يوميا، وكثير ما أتهم خبراء الاقتصاد في الحزب الديموقراطي الرئيس ترمب بالتهاون في أمر أسعار الطاقة للمواطن الأمريكي، فمنذ تنصيبه في يناير 2017 ارتفعت أسعار البنزين بنحو 25 في المائة، كما أن استمرار أسعار النفط فوق 70 دولار يهدد بتأكل عوائد الإصلاح الضريبي الذي يزعمه ترمب خاصة التخفيضات الضريبية.

سادسا، مستوى 80 دولار لبرميل النفط مؤلم ومعيق للسياسات الأمريكية الخارجية خاصة المتعلقة بالعقوبات على إيران التي تمثل الإيرادات النفطية ربع مصادر ميزانيتها العامة بتمويل يصل إلى 27.4 مليار دولار سنويا، وهو ما يتحقق حده الأدنى بتوافر تصدير مليون برميل يوميا من النفط فوق مستوى 70 دولار للبرميل، وبالتالي أي فروقات سعرية ونقدية لأعلى تدر عوائد مالية أكبر للنظام الإيراني مما يفسد منطق العقوبات الأمريكية عليه.

قامت المملكة العربية السعودية بالتقليص من انتاجها النفطي بأكثر من 400 ألف برميل يوميا من 10.643 برميل يوميا في ديسمبر 2018 وصولا لنحو 10.24 برميل يوميا

سابعا، طفت على السطح اتهامات انتخابية بضعف جدوى الجولة الثانية من العقوبات ضد إيران، وزادت حدة المطالبات الأمريكية بتصفير صادرات النفط الإيراني إلى العالم، ولكن ترمب الذى يخشى من صدمة سعرية في أسواق الطاقة ترتفع فيها الأسعار فيتأزم موقفه داخليا وخارجيا سلك مسارين جيدين لطمأنة الأسواق، أولهما السماح بأعقاء أمريكي مؤقت من حظر أستيراد النفط الإيراني لثمان دول ينتهى في أول مايو 2019 يسمح من خلاله لإيران بتصدير 1.2 مليون برميل يوميا فقط على أن يتم تصفير صادرات طهران النفطية بحلول النصف الثاني من 2019، بالإضافة إلى المسار الثاني بتشجيعه لاتفاق أوبك بلس الأخير بتخفيض الإنتاج النفطي بنحو 1.2 مليون برميل يوميا، وهو ما أتى بأثار إيجابية في استقرار ودعم أسواق الطاقة منذ مطلع 2019 بعد عاصفة ضغوط سياسية مسحت نحو 35 في المائة من أسعار النفط خلال الربع الأخير من 2018.

ثامنا، في أواخر نوفمبر 2018 جرى تسريب دراسة أكاديمية انتشرت بشكل واسع عن أحتمال تخارج السعودية من منظمة أوبك وهو ما يؤشر على تفكك المنظمة وخروج الأسواق عن السيطرة في المستقبل، وعلى جانب آخر متزامنا مع التسريب خرج الرئيس ترمب ليشكر المملكة على تعاونها ودورها المهم في خفض الأسعار التي استقرت حينها عند مستوى 54 دولار للبرميل، مع العلم بأن نفط السعودية البعيد يغطى نحو 11 في المائة فقط من الاحتياجات الأمريكية مقابل نحو 44 في المائة لنفط كندا الملاصق للحدود الأمريكية، مما يؤكد مجددا على الأولوية السياسية في حركة النفط على حساب أي منطق اقتصادي.

تاسعا، في يناير 2019 قامت المملكة العربية السعودية بالتقليص من انتاجها النفطي بأكثر من 400 ألف برميل يوميا من 10.643 برميل يوميا في ديسمبر 2018 وصولا لنحو 10.24 برميل يوميا في يناير 2019، وهو أكثر من معدل الخفض المطلوب منها بنحو 70 الف برميل يوميا حسب اتفاق “أوبك بلس” الذي أشار إلى تخفيض انتاج المملكة للنفط عند مستوى 10.311 مليون برميل يوميا فقط، وإظهارا لالتزام السعودية زعيمة أوبك بأتفاق الخفض تصدر المملكة نحو 7.1 مليون برميل يوميا فقط في فبراير 2019 بعد أن قامت بتصدير 7.2 مليون برميل يوميا في يناير الماضي، هذا على الرغم من أستمرار المستويات القياسية للخام الأمريكي الذى تجاوز 12 مليون برميل يوميا، لتكون الولايات المتحدة المنتج الأول للنفط في العالم متفوقة على المنتجين الكبار السعودية وروسيا.

عاشرا، بعد ست مرات صريحة خلال عام 2018 وفى 25 فبراير 2019 يعود الرئيس ترمب للتدخل مرة أخرى في أسعار النفط للمرة الأولى خلال العام الجاري بعد ارتفاع النفط بنحو 20.76 في المائة منذ بداية العام إلى حدود 68 دولار للبرميل، وذلك عبر دعوته منتجى أوبك للأسترخاء لأن الأسعار ارتفعت أكثر مما يجب، وهي في الحقيقة اقتربت من مستوى السبعين دولار الذى يؤرقه كثيرا!، ويستجيب النفط الوفي لرغبة ترمب مرة أخرى وسط معطيات معقدة من تباطؤ نمو الصين والعقوبات الاقتصادية على فنزويلا وإيران ومستجدات جيوسياسية قيد التحضير ربما تجبر النفط على احترام أساسيات السوق المزعومة والتمرد على حسابات ترمب يوما ما.

محمد مهدى عبد النبى
خبير اسواق المال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


إغلاق