تحليلات واراء

فنزويلا.. ربما تسقط الأقنعة

أيمن حسين - الوطن العمانية

اندلعت اشتباكات عنيفة، الثلاثاء الماضي، في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، بعدما أعلن خوان جوايدو زعيم المعارضة، انضمام الجيش إليه، في محاولة للإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، وهو ما تسبب في مواجهات عنيفة بين الشرطة مدعومة بقوات عسكرية من ناحية وبين قوات عسكرية يؤيدها أنصار المعارضة.
وتعود بوادر الأزمة إلى رفض جوايدو ـ الذي يتولى رئاسة البرلمان ـ نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت في ديسمبر الماضي وفاز بها مادورو، وقام زعيم المعارضة بتنصيب نفسه رئيسا مؤقتا لفنزويلا في يناير الماضي، ولقي دعما إقليميا خصوصا من الولايات المتحدة الأميركية، لكن ذروة التصاعد كانت هذا الأسبوع عندما نشر مقطعا مصورا من قاعدة “لا كارلوتا” الجوية، قال فيه إن قوات الجيش انضمت إلى المعارضة في محاولة الإطاحة بنيكولاس مادورو ـ حسب ما نقلته وسائل الإعلام العالمية ـ وظهر مهيأ لقيادة انقلاب ومحاطا برجال يرتدون ملابس عسكرية وعربات مدرعة، وخاطب الشعب لتحريضه على دعم الانقلاب قائلا: ”قواتنا المسلحة اليوم، جنود شجعان، وطنيون أبطال، رجال مرتبطون بالدستور استجابوا لدعوتنا، لقد جئنا لتلبية النداء”، وأضاف “هذه هي اللحظة، اللحظة حانت الآن”.
بعدما أعلن جوايدو الانشقاق عن سلطة كاراكاس وتشكيل سلطة موازية، في يناير الماضي، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في طليعة المعترفين بسلطته كرئيس “بالوكالة”، ولم ينقطع الدعم الأميركي عن رئيس البرلمان الفنزويلي المنشق، وعبرت إدارة البيت الأبيض عن رغبتها في إنهاء الأمر سريعا وبما يخدم الإطاحة بمادورو، وعقب الأحداث الأخيرة أعربت إدارة ترامب عن دعمها لجوايدو ووصفت الخطوة التي اتخذها بأنها “بداية نهاية اغتصاب السلطة” ـ حسب بيان البيت البيض؛ بل وهددت بالتدخل العسكري للإطاحة بمادورو، كما هددت بفرض حصار على كوبا لدعمها حليفتها الاشتراكية فنزويلا.
من قراءة الأحداث الجارية والسابقة يمكن التنبؤ بأن الانقلاب على مادورو سوف ينجح حتى لو كانت غالبية الشعب الفنزويلي رافضة لهذا الانقلاب، وفي ظل حالة النفير الشعبي من انقسام الجيش ما بين قوات داعمة للرئيس والسلطة الشرعية وما بين قوات داعمة لزعيم الانقلاب فإن التوترات السياسية والأمنية مرشحة للتصاعد، وأعداد القتلى قابلة للزيادة، والسلطة تتجه نحو الاقتراب من جوايدو.
بصرف النظر عن تقييم أداء الرئيس الفنزويلي؛ لكن الحقيقة أن العقد الأخير شهد حالات جمة من الانقلابات على سلطات شرعية في إفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية بعدما انتخبتها شعوبها ومنحتها الثقة، وكان الموقف الأميركي قاسما مشتركا في توجيه الانقلابات نحو اتجاهات مرغوب فيها، ومنح المنقلبين كل الدعم، وبارك البيت الأبيض لهم على السلطة الجديدة.
الغريب أيضا أن غالبية هذه الدول جيوشها لها اليد الطولى في إدارة مقاليد الحكم، وقياداتها العسكرية تولي وجهها شطر البيت الأبيض للحصول على “إيماءة” الموافقة، قبل أن يعودوا إلى شعوبهم بخطابات رنانة عن الوطنية والعدل والمساواة وإنقاذ البلاد والعباد من قنوات الضياع، وانتشالها من على حافة الانهيار.
في المقابل الإدارة الأميركية لا تكترث بأنين الشعب الفنزويلي، وعاقدة النية على معاقبته لرفضه الوقوف بأغلبية ساحقة في صف الانقلاب، وهو ما فعلته في الانقلابات التي أجريت بدول أخرى خلال العقد الأخير.
الإدارات الأميركية ـ سواء الجمهورية أو الديمقراطية ـ يجب عليها أن تراجع سياساتها، خصوصا فيما يتعلق بالتجارب الديمقراطية المنبثقة عن اختيارات شعبية، لأن خلق حلفاء من قادة غير مرغوبين شعبيا، وتنصيب زعماء جبرا، لن يخلق سوى الفوضى التي تهدد الاستقرار والسلام العالمي، بل ومع الوقت سوف يتم تجريد الولايات المتحدة من القيم التي تتغنى بها وتتخذها ذريعة لتنفيذ تدخلاتها ومخططاتها، وإذا كانت الاستفاقة العالمية مؤجلة حاليا، فربما وقتها تحدث الاستفاقة بعد إدراك سقوط الأقنعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


إغلاق