تحليلات واراء

ستقوم دولة فلسطين حرة ومستقلة رغم أنف الأعداء وحلفائهم

داود كُتَّاب كاتب وصحفي فلسطيني

يجب أن نقدم كلمة شكر لسفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة؛ ففي غضون شهرين قام هذا السفير بكشف حقيقة إسرائيل، فهي ليست دولة ذات نظام ديمقراطي بل دولة دينية، كما بات واضحا عندما قام بالتلويح بالتوراة معلناً أمام مجلس الأمن الدولي أن مبررات وجود إسرائيل، وسرقة الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات غير الشرعية في الأراضي المحتلة، يعود لتطبيق وعود إلهية كما جاء في التوراة، حسب تبرير الدبلوماسي الإسرائيلي اليميني التوجه.
وهذا الأسبوع أتحفنا السفير نفسه بإفصاح جديد يعني فيما يعنيه أن إسرائيل ليست مهتمة بحل سلمي من خلال المفاوضات، لأنه يعتبر أن على الفلسطينيين توقيع صك استسلام كمدخل للسلام. كتب سفير الاحتلال مقالا في صحيفة نيويورك تايمز يقول فيه إن على الجانب الفلسطيني رفع الراية البيضاء، والتنازل عن الطموح الوطني إلى الحرية والاستقلال.
الصورة إذن أصبحت واضحة الآن: لا توجد رغبة إسرائيلية في سلام عبر المفاوضات لأن الأرض هدية لليهود من الله عز وجل!! والآن أصبح واضحا هدف البيت الأبيض من دعم اليمين الإسرائيلي، الذي يرفض الاعتراف بالتطلعات الوطنية للشعب الفلسطيني: الدولة وعاصمتها القدس، حق العودة.
“الصورة إذن أصبحت واضحة الآن: لا توجد رغبة إسرائيلية في سلام عبر المفاوضات لأن الأرض هدية لليهود من الله عز وجل!! والآن أصبح واضحا هدف البيت الأبيض من دعم اليمين الإسرائيلي، الذي يرفض الاعتراف بالتطلعات الوطنية للشعب الفلسطيني: الدولة وعاصمتها القدس، حق العودة”

كما يرفض كل ما له علاقة بالأهداف الوطنية الفلسطينية من شعر أو نثر أو من صحافة، أو أي شكل آخر كان في فلسطين أو في الشتات، بما في ذلك حملة المقاطعة لإسرائيل التي تمت شيطنتها ووسمها زورا وبهتانا باللاسامية.
طبعاً الأمر ليس جديدا، إذ قديمة هي الرواية الصهيونية بشأن شعب بلا وطن في وطن بلا شعب، وهذه رئيسة الوزراء السابقة في إسرائيل غولدا مائير ترفض الوجود الفلسطيني، فالصراع كان ولا يزال على الأرض وليس على السلام.
كانت هناك طبعا نزوات قصيرة الأمد لتخفيف انزعاج الحلفاء الأوروبيين؛ فصور اللاجئين القاطنين في الخيام رغم البرد سمحت بإقامة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، وصور قمع أطفال الحجارة حركت الرأي العام وجلبت اتفاق المبادئ وتبادل الاعترافات.
الإسرائيليون -منذ عهد موشيه ديان- حاولوا تلطيف الاحتلال من خلال سياسة الجسور المفتوحة تارة، وسياسة الاحتلال اللطيف تارة أخرى، وعبر الحكم الذاتي في عهد مناحم بيغن، والسلطة الوطنية إبان إسحق رابين وشمعون بيريز. ولكن لم تكن هناك يوما ما موافقة على إنهاء الاحتلال والاستقلال الكامل.
عرّف الشعب الفلسطيني بأهداف الاحتلال وحارب ضدها مستندا إلى الحق والعدل والقانون الدولي، ولكن الهجوم الأخير جاء من رئيس أميركي بالتعاون مع صهاينة يهود ومسيحيين منحازين بقوة لليمين الإسرائيلي المتطرف. فالإدارة الأميركية الحالية تشمل نائب رئيس ووزير خارجية منتمييْن للصهيونية المسيحية، وفريق السلام يشمل ثلاثة يهود متدينين صهاينة، اثنان منهم متبرعان بسخاء للاستيطان.
لقد اعتقد فريق جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات وديفد فريدمان لمدة طويلة أنهم نجحوا في إخفاء أهدافهم الحقيقية، وقالوا مرة لوفد من المتطرفين المسيحيين المؤيدين لإسرائيل إنه لا حاجة للخوف على إسرائيل فإننا نعرف أن الفلسطينيين سيرفضون المشروع، ولكننا نقوم بتحسينه شيئا ما لإرضاء حلفائنا العرب!!
ورغم الادعاءات الأميركية بوجود برنامج سياسي؛ فإن هناك قناعة كبيرة بأن المشروع الأميركي لا يعدو أن يكون ملحقا سياسيا بسيطا، سيتم عرضه في أكتوبر/تشرين الأول القادم بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية؛ فالفريق الأميركي يعمل حسب رغبات إسرائيل، أو بالأحرى حسب رغبات اليمين الإسرائيلي.
وفي ظل وجود مثل هذا الولاء المنقطع النظير لإسرائيل؛ ما كان أمام الإسرائيليين سوى الارتخاء ومتابعة الأحداث، بينما يقوم البيت الأبيض بتحقيق أحلام إسرائيل كلها من محاولة قتل الأونروا (المحاولة فشلت)، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وخنق الحكومة الفلسطينية ماليا لإجبارها على قبول العروض السخية، والتي هي في الأصل مبنية على مطالبة العرب بدفع ثمنها!!
“لا توجد لدى فلسطين دبابات أو طائرات أو غواصات لكي يتم مقارنتها مع المهزومين في الحرب العالمية؛ ولكن الشعب الفلسطيني يملك الكرامة والشجاعة والتصميم، كما أنه مستعد للتضحية مقابل كرامته الوطنية واستقلاله، مثله مثل كافة شعوب العالم التي تغلبت على الاستعمار والاحتلال والظلم”

الخطة الأميركية كانت تجري بسلاسة لولا عدم قدرة المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة على الصبر. فقد قام مندوب الاحتلال بإعادة نشر أقوال المعادين للإسلام في أميركا أمثال دانيال بايبس، وهو أول من جاء بنظرية أن على الفلسطينيين الاستسلام كمدخل لحل سياسي إسرائيلي، يشمل بعض الفتات الذي سيتم توفيره لمن تبقى في فلسطين، مع نسيان باقي الشعب الفلسطيني.
لا شك أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس سعيد الآن في رام الله؛ فرغم الأخطاء والأعمال غير الديمقراطية وعدم قدرته على توحيد الشعب الفلسطيني، فإن موقفه الحازم ورؤيته الصائبة -بشأن الأهداف الحقيقية لخطة دونالد ترامب وكوشنر- قد بررت موقفه ومسحت أخطاءه.
فمن يستطيع مقاومة رئيس أميركي قوي، ويرفض التنازل عن مخصصات الأسرى وعائلات الشهداء؛ سيسجَّل له ذلك تاريخيا كموقف وطني وشجاع. كما أن قدرته على تحليل ما يجري في واشنطن ضد المصلحة العليا للشعب الفلسطيني كانت صائبة ودقيقة.
ورغم سخافة العرض بالاستسلام المقدم من اليمين الإسرائيلي ومؤيديه في البيت الأبيض؛ فإن الشعب الفلسطيني الأبيّ لن يستسلم. لا توجد لدى فلسطين دبابات أو طائرات أو غواصات لكي يتم مقارنتها مع المهزومين في الحرب العالمية؛ ولكن الشعب الفلسطيني يملك الكرامة والشجاعة والتصميم، كما أنه مستعد للتضحية مقابل كرامته الوطنية واستقلاله، مثله مثل كافة شعوب العالم التي تغلبت على الاستعمار والاحتلال والظلم.
قد يحتاج الشعب الفلسطيني إلى سنين أوعقود، ولكن ستنضم يوما ما فلسطين الحرة إلى باقي الشعوب، وستقوم دولة مستقلة وحرة وديمقراطية رغم أنف الأعداء وحلفائهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


إغلاق