بريد القراء

أطفال غزة يصنعون فرحتهم رغم الوجع

قفز الطفل أحمد الغر من مقعده فرحا لحركات بهلوانية يؤديها مهرج شاب تقمص دور طفل يتلعثم ببعض الكلمات، على أنغام موسيقى زادت من حماسة أحمد ورفاقه ممن علت ضحكاتهم وهم يستمتعون بإحدى فقرات مهرجان “الفرح والمرح” لأطفال وأمهات غزة المنظم بمركز “رشاد الشوا” الثقافي.

وما إن صعد المهرج الثاني إلى المسرح متمايلا بجسده ترافقه بعض الأصوات المضحكة، حتى وضع أحمد (11 عاما) سبابتيه في فمه مطلقا صفيرا تتغير نغمته مع اهتزاز رأسه، ليكرر صفيره بعض الأطفال المحيطين به، بينما ينشغل من هم أصغر عمراً من البنين والبنات بالتصفيق الحار.

ولئن كان أحمد يحدق بناظريه صوب المهرجين مستمتعا بالتمعن في ملابسهما وأصواتهما وكلماتهما حسب قوله، فإن غيره من الأطفال انجذبوا إليهما بصورة كبيرة حتى تمايلوا برؤوسهم وأكتافهم على بعض وهم يرمقون بأبصارهم حركات المهرجين والابتساماتُ تعلو محياهم.

صخب وحماسة
لكن سرعان ما تحولت قاعة المهرجان إلى حالة من الصخب والحماسة بعدما اعتلت المسرح فرقة الدبكة الشعبية، وشرعت في أداء رقصاتها على أنغام الأغاني الوطنية مثل “دمي فلسطيني وأنت فلسطيني”، وهي أغان محفوظة عن ظهر قلب لدى طلبة رياض الأطفال والمدارس الابتدائية الحاضرين.

وسط هذه الأجواء المفعمة بالموسيقى والحركة، بدا الأطفال أكثر سعادة واندماجا وهم يرددون الأغاني المسموعة في الاحتفالية بشكل متواصل مع تصفيق برفع الأكف إلى الأعلى وهز الرؤوس بانفعال شديد، وكأنهم شربوا من كأس السعادة حتى الثمالة.

بيد أنه الظمأ الشديد للفرح والابتسامة وللخروج من براثن المعاناة المرافقة لأطفال القطاع منذ نعومة أظفارهم، تقول وفاء الحصري مديرة إحدى رياض الأطفال المشاركة بالمهرجان، خصوصاً أن غزة وأهلها اعتادوا على صناعة الفرح وسط أوجاعهم وأوضاعهم المأساوية وفق تقديرها.

وهي فرحة غمرت قلوب الأطفال وسيطرت على وجدانهم، حتى باءت محاولات إبعاد بعضهم عن المسرح بالفشل، ليندفعوا نحوه بقوة جالسين على الأرض ليظفروا برؤية أوضح لفقرات المهرجان علّهم يفرون -ولو لوقت قصير- من شظف الحياة المنقض عليهم وعلى عائلاتهم.

بطولة وإعجاب
لم ينقطع مشهد الضجيج إلا لوقت قليل، ليسود الهدوء المكان وتشرئب الأعناق نحو شاب يرسم بالصمغ على لوحة سوداء تفاصيل وجه فتاة صغيرة، سرعان ما اتضح أنها الأسيرة بسجون الاحتلال عهد التميمي بمجرد أن أظهر الرسم جزءا من شعرها المرتفع على رأسها.

تلتهب القاعة بالتصفيق المتواصل المختلط بأغنية مرسيل خليفة الشهيرة “منتصب القامة أمشي”، بينما تعلو أصوات الأطفال بالهتاف وقوفا، في صورة تعبيرية عن حجم الإعجاب ببطولة أسيرة تحولت إلى أيقونة مقاومة للاحتلال.

ويجسد هذا المشهد وغيره امتزاجاً واضحاً للفقرات الترفيهية بالقيم الوطنية المعززة لمفاهيم الوطن والتحرير لدى الأطفال، بحسب فريال حلس مديرة مركز “إسعاد الطفولة” التابع لبلدية غزة، الجهة المنظمة للمهرجان بالتعاون مع مؤسسات أخرى.

وبالتوازي مع بروز الملامح الوطنية بصورة أكبر بفقرات المهرجان كالفواصل والأغاني والعروض المسرحية والمسابقات الثقافية وحتى تزيين المسرح ببالونات بألوان العلم الفلسطيني، كانت سعادة الأطفال تتعاظم خصوصاً أنها تقدم بقوالب فنية قريبة من قلوبهم وفق المديرة فريال حلس.

قيم ومواهب
وبينما شد الحكواتي أنظار الأطفال وجعلهم أكثر تشوقاً لمتابعة حكاياته الهادفة إلى غرس قيم مساندة الإخوة لبعضهم، أشعلت فقرة المواهب والمسابقات الحراك بينهم ليزدادوا تهافتاً على المشاركة ونيل الجوائز في أجواء طغت عليها النكات والعبارات المسلية.

ولم تنته ساعات المهرجان الثلاث حتى غرق الأطفال في أمواج من الضحكات بصورة دفعت بعضهم للتقلب على الأرض أو القفز في الهواء مراراً، كما حصل مع الطفلة ضحى شرف بعد حصولها على هدية لدرجة عدم قدرتها على الكلام من شدة الفرح.

وتعكس هذه المشاهد حاجة أطفال غزة المتزايدة إلى فعاليات ترفيهية، بحسب معلم مدرسة “المعتصم بالله” محمد عياش المرافق لطلبته في المهرجان، خصوصاً من اكتوت ذاكرتهم بمشاهد الدمار والدماء خلال الحرب الأخيرة.

ويعول المعلم الفلسطيني على هذا المهرجان وغيره لتحسين الأوضاع النفسية للطلبة، بما ينعكس على تحصيلهم الدراسي وقدرتهم على تطوير ذواتهم اجتماعياً ونفسياً وفق خبرته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق