تحليلات واراء

ترامب وخصومه في الناتو.. كيف يزعزع ثقة الحلفاء؟!

المصدر : الجزيرة

في لهجة وُصفت بـ”القاسية”؛ وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب -قبل شهر تقريباً- رسالة إلى عدة دول أوروبية، يدعوهم فيها إلى زيادة الإنفاق العسكري من أجل تحمل مزيد من الأعباء المشتركة في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ومن أبرز الدول التي وُجهت لها هذه الرسالة ألمانيا، حيث جاء في الرسالة ما مضمونه أن استمرار انخفاض الإنفاق الألماني على الدفاع يقوّض أمن التحالف، ويوفر غطاء للآخرين للتنصل من التزاماتهم في الإنفاق العسكري، لأنهم يرون في ألمانيا نموذجاً يُحتذى به في عملية التنصل هذه.
ويرى ترامب أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد فيما يتعلق بتحمل النصيب الأكبر من فاتورة الدفاع عن الحلفاء، وهو يفكر جدياً في مراجعة إستراتيجية انتشار القوات الأميركية في أوروبا، إذا بقيت الدول الأوروبية غير مستعدة لزيادة حصتها من تحمل أعباء هذه الفاتورة.
لقد تبنت الولايات المتحدة -في السابق- سياسة الصبر الإستراتيجي مع بعض خصومها مثل كوريا الشمالية، ولكن يبدو أن الرئيس ترامب يُحدث تحولاً جوهرياً على هذه السياسة لتنقلب إلى سياسة نفاد الصبر الإستراتيجي، ولكن هذه المرة مع حلفاء واشنطنالمقربين مثل ألمانيا وكندا.
“يرى ترامب أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد فيما يتعلق بتحمل النصيب الأكبر من فاتورة الدفاع عن الحلفاء، وهو يفكر جدياً في مراجعة إستراتيجية انتشار القوات الأميركية في أوروبا، إذا بقيت الدول الأوروبية غير مستعدة لزيادة حصتها من تحمل أعباء هذه الفاتورة. لقد تبنت الولايات المتحدة -في السابق- سياسة الصبر الإستراتيجي مع بعض خصومها مثل كوريا الشمالية، ولكن يبدو أن الرئيس ترامب يُحدث تحولاً جوهرياً على هذه السياسة”

إن مطالبة أعضاء حلف شمال الأطلسي بزيادة إنفاقهم العسكري لا يعدُّ أمرا جديدا؛ ففي قمة الناتو التي عُقدت عام 2014 توافق المجتمعون حينها على زيادة الإنفاق العسكري بشكل تدريجي، ليصل إلى عتبة 2% من إجمال الناتج القومي المحلي.
وقد بلغت خمس دول (عدا الولايات المتحدة بطبيعة الحالي) هذه العتبة، وهي: المملكة المتحدة وإستونيا ورومانيا واليونان وبولندا. غير أن تعاطي الرئيس ترامب مع المسألة يسبب الإحباط في نظر الحلفاء، ويعمل على تقويض الثقة المطلوبة لإبقاء التحالف قويا لمواجهة التحديات المشتركة.
وتعمل سياسة الرئيس ترامب على تقويض تحالف دول المركز عبر ثلاثة عوامل رئيسية هي: أولا؛ طريقة الخطاب التي يتبعها وتتميز بالاستعلاء والتقريع. وثانيا؛ حالة عدم الانسجام بل والتضارب داخل إدارته. وثالثا؛ سياسة الاسترضاء التي يتبعها مع الرؤساء الأكثر دكتاتورية في العالم، من أمثال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون.
للوهلة الأولى ربما يُصاب المتابع لخطاب الرئيس ترامب مع حلفائه بالصدمة، ويظن أنه إنما يخاطب خصومه بهذه اللهجة التقريعية وليس حلفاءه المقربين. ففي أثناء قمة الدول الصناعية السبع الكبرى (G7) -التي عُقدت مؤخرا في كندا- قرَّع الرئيس ترامب رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو ناعتاً إياه بـ”غير النزيه والضعيف”.
وكرر ترامب سابقا عدة مرات هجومه اللاذع على الاتحاد الأوروبي، الذي اعتبره مستفيداً من الولايات المتحدة على مستوى الأمن والاقتصاد بلا مقابل، في حين يستغل الأوروبيون البنوك الأميركية.
كما وصف -في موضع آخر- حلف شمال الأطلسي بأنه شيء سيئ تماماً مثل اتفاقية نافتا (NAFTA) بين دول أميركا الشمالية. وقد دفعت لهجة الخطاب هذه حلفاء الولايات المتحدة إلى الشعور بالاستياء الشديد، والنظر بعين الريبة إلى جدية التزام واشنطن بتعهداتها الدولية.
ولا تقتصر زعزعة الثقة -التي يُحدثها ترامب- على رؤساء الدول الأوروبية فقط؛ إذ علينا أن نستذكر الصورة التي نشرتها المستشارة الأميركية ميركل على حسابها على موقع تويتر في قمة G7، لكي ندرك حقيقة الشرخ النفسي بين ترامب من جهة وحلفاء واشنطن من جهة أخرى.
بل إن الأمر تعدى ذلك إلى المستوى الشعبي؛ فقد أظهرت استطلاعات الرأي مؤخراً أن شعبية الرئيس ترامب في أوروبا قد هوت، لتصل إلى أدنى مستوى لها مسجلة 23% فقط. وبينما يرى 45% من الشعب الألماني أن ترامب مهدد للسلم الدولي؛ يقول 19% منهم فقط إن بوتين مهدد للسلم الدولي.
أما زيارة ترامب لبريطانياأمس (12 تموز/يوليو الجاري) فإنها تعبّر عن مزاج الشارع الأوروبي تجاه استقبال هذا الضيف الثقيل الظل. فجدول الزيارة سيبقى مقتصراً على المرافق الرسمية والقصور الملكية فقط؛ في محاولة من السلطات البريطانية لتقليل الإحراج الذي قد تسببه الاحتجاجات الشعبية على زيارته، خصوصاً مع ارتفاع نسبة معارضي سياسات ترامب في الشارع البريطاني.
“لا يقلّ تأثير العامل الثاني المتعلق بالتضارب الحاصل داخل إدارة ترامب وطريقة إدارته لفريقه الرئاسي، عن خطابه المتعالي في التأثير على زعزعة الثقة بين واشنطن وحلفائها؛ فالرئيس ترامب يتبع سياسة: شاور مستشاريك وخالفهم، وهو الأمر الذي يسبب الإرباك برفع مستوى الشك وعدم اليقين. فمؤخراً مثلا وأثناء اجتماعه والمنفرد مع رئيس كوريا الشمالية؛ قدّم ترامب تنازلاً خالفه فيه جنرالاته في البنتاغون”

ففي فبراير/شباط الماضي برزت معارضة شعبية واسعة لزيارة كانت متوقعة آنذاك للرئيس ترامب لافتتاح السفارة الأميركية الجديدة في لندن، وهو ما أدى إلى تأجيل تلك الزيارة إلى وقت لاحق.
ولا يقلّ تأثير العامل الثاني المتعلق بالتضارب الحاصل داخل إدارة ترامب وطريقة إدارته لفريقه الرئاسي، عن خطابه المتعالي في التأثير على زعزعة الثقة بين واشنطن وحلفائها؛ فالرئيس ترامب يتبع سياسة: شاور مستشاريك وخالفهم أو على الأقل لا تستمع إليهم، وهو الأمر الذي يسبب الإرباك برفع مستوى الشك وعدم اليقين.
فمؤخراً مثلا وأثناء اجتماعه الخاص والمنفرد مع رئيس كوريا الشمالية؛ قدّم ترامب تنازلاً خالفه فيه جنرالاته في البنتاغون، ويتعلق بوقف المناورات العسكرية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.
وفي وقت سابق كان الرئيس ترامب قد أخرج الولايات المتحدة من معاهدة باريس للمناخ، رغم معارضة جميع مستشاريه الذين مارسوا ضغوطا عليه من أجل العدول عن قراره، ومن بينهم ابنته المدللة إيفانكا.
كما انسحب ترامب أيضا من الاتفاق النووي الإيراني بطريقة أحادية الجانب، رغم أن الاتفاق يعد من الاتفاقات الدولية المتعددة الأطراف وصدر وفق قرار أممي. وقد عارض ترامب -في هذا الانسحاب- عددٌ من أعضاء إدارته، من بينهم وزير خارجيته السابق ركس تيلرسون ومستشار الأمن القومي السابق ماك ماستر.
إن منهجية إدارة الرئيس ترامب هذه ألقت بظلالها أيضا على قمة الناتو الأخيرة؛ فقد استبق ترامب –كما قلنا- القمة بتوجيه رسائل قاسية لحلفائه، متوعداً إياهم بإعادة النظر في الانتشار الأميركي بأوروبا مما سيهدد أمن القارة العجوز، خصوصاً في ظل الاستفزازات الروسية المتكررة وعلى وجه التحديد في أوكرانيا.
وفي المقابل؛ يحاول وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس تخفيف حدة هذا الخطاب، والعمل على ترقيع الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها بتأكيده وحدة وتماسك الحلفاء، وجدية الولايات المتحدة في الإيفاء بتعهداتها الدولية وأمن أوروبا، والمحافظة على حلف شمال الأطلسي قوياً منيعاً في وجه التحديات والمخاطر المشتركة.
وقد يتجه ماتيس لعقد لقاءات ثنائية خاصة مع نظرائه الأوروبيين للتأكيد على هذه السياسة، في محاولة منه لرأب الصدع وترميم التشققات التي يُحدثها رئيسه، وذلك لإيمانه العميق بأن مصالح الولايات المتحدة العالمية لا يمكن الحفاظ عليها أو الدفاع عنها إلا ببناء تحالفات قوية وفعالة.
“يتخوف الأوروبيون من تنازلات قد يُقْدم عليها الرئيس الأميركي لنظيره الروسي، خصوصاً فيما يتعلق بالوجود العسكري الأميركي على أراضي القارة ومستقبل المناورات العسكرية المشتركة، الأمر الذي يضع دولاً مثل أوكرانيا في خطر كبير، خصوصاً مع وجود تكهنات بأن الرئيس ترامب ربما يعترف رسمياً بضم روسيا لجزيرة القرم”

أما العامل الثالث المتعلق بمديح ترامب للرؤساء الدكتاتوريين فإنه لا يقل غرابة عن العاملين السابقين؛ فقد درجت سياسة الولايات المتحدة الأميركية مثلا على انتقاد عائلة رئيس كوريا الشمالية لنزعاتها الشمولية، ولكنَّ الرئيس ترامب لم يجد غضاضة في الثناء على رئيسها كيم ووصفه بأنه رئيس “منفتح ومشرّف جدا”.
وقبيل سفره للمشاركة في قمة الناتو، وبعد أن وبّخ حلفاءه الأوروبيين، خصوصاً ألمانيا التي وصفها بأنها “رهينة روسيا”؛ امتدح الرئيس بوتين ووصفه بـ”الجيد”. ولكي يثير قلق حلفائه أكثر؛ حدد ترامب موعد لقائه بالرئيس بوتين في فنلندا بعد أربعة أيام فقط من انتهاء قمة الناتو الحالية.
ويتخوف الأوروبيون من تنازلات قد يُقْدم عليها الرئيس الأميركي لنظيره الروسي، خصوصاً فيما يتعلق بالوجود العسكري الأميركي على أراضي القارة ومستقبل المناورات العسكرية المشتركة، الأمر الذي يضع دولاً مثل أوكرانيا في خطر كبير، خصوصاً مع وجود تكهنات بأن الرئيس ترامب ربما يعترف رسمياً بضم روسيا لجزيرة القرم.
في ختام القمة؛ وقع الرئيس ترامب على وثيقة الناتو المكونة من 23 صفحة، والتي تؤكد المبادئ والسياسات العامة للتحالف وتعهدات أعضائه، خصوصاً تلك التي تتعلق بإدانة روسيا لضمها شبه جزيرة القرم “غير الشرعي”، والتأكيد على أن أعضاء التحالف “لا يعترفون ولن يعترفوا” بسيادة روسيا على شبه الجزيرة.
لقد كان تعامل رؤساء دول الناتو مع ترامب هادئاً ورصيناً، ويعكس حرص هؤلاء القادة على عدم توسيع الشرخ الحاصل في الثقة بين الحلفاء، إدراكاً منهم لجدية المخاطر ولأهمية الدور الذي يلعبه الناتو في الحفاظ على أمن أوروبا.
ولكن هل سيلتقط ترامب الرسالة ويكفّ عن التعاطي مع حلفائه وكأنهم منافسون له، بينما يعامل المنافسين الحقيقيين كحلفاء؟! إن حالة السلم العالمي تحتاج إلى سياسة متوازنة من قِبل الدولة العظمى الوحيدة على كوكب الأرض (الولايات المتحدة الأميركية)، وهذا ما لا يحسنه رئيسها الحالي دونالد ترامب

نبيل عودة
كاتب فلسطيني، وباحث سياسي متخصص في الشؤون الدولية

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق