بقلم رئيس التحرير

تداعيات الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين على مستقبل النظام العالمي

بقلم الاستاذ محمد سعيد الفطيسي - رئيس التحرير

في العام 2005 كتب الدكتور اوديد شينكار في كتابه العصر الصيني ( يتوقع المشهد التصادمي ازمة تخيم على الولايات المتحدة الاميركية والصين , ستصل ذروتها الى تصادم في التيارات الاقتصادية والسياسية وفي مجالات الامن القومي … وستقوم الادارة والكونغرس بفرض الرسوم الجمركية واجراءات الحماية الاخرى , وستذهب الادارة هذ المرة الى ابعد مما تنص عليه الحصص النسبية الواردة في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية …. ولا يستبعد ان تتخذ الولايات المتحدة اجراءات احادية الجانب مثل الرسوم التأديبية من اجل حماية صناعتها من خارج اطار منظمة التجارة العالمية , مهددة بذلك نظام التجارة العالمي )([1])

طبعا ليس وحده الدكتور شينكار من توقع مثل هذا السيناريو التصادمي بين الولايات المتحدة الاميركية والصين , فقد سبقه الى ذلك العديد من المنظرين والباحثين السياسيين والاقتصاديين كبريجنسكي وفوكوياما وهنري كيسنجر وجومسكي وبورشتاين وهذه الاسماء هي على سبيل المثال لا الحصر , فالمسالة كما يبدو طبيعية جدا عند الحديث عن قوة عظمى تحاول البقاء على راس قمة الهرم السياسي والاقتصادي العالمي واخرى تسعى الى المنافسة على ذلك المقعد الاقتصادي , وعلى ما يبدو بانها تسير في المسار الصحيح في حال ظل سيناريو الاستمرارية كما هو , وبتصوري الشخصي ان العقد الثالث من القرن 21 سيكون العقد الاخير الذي يحدد نهاية ذلك المسار المتعلق بالتنافس الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين .

وهذا ( ما دفع بعض الباحثين الى الاعتقاد بان الصين ستكون على الارجح ساحة التنافس – الاقتصادي- في القرن الواحد والعشرين , اذا سوف تتنافس الشركات الاميركية واليابانية والاوربية والاسيوية بعضها مع بعض , مع الشركات الصينية العملاقة المحلية , من اجل الحصول والسيطرة على الصناعات والاسواق الرئيسية ) ([2])

لذا يمكن التأكيد في هذا السياق على ان هناك اسباب كثيرة ومتعددة لقيام ما يطلق عليه بالحروب التجارية بين الدول بوجه عام , وبين الولايات المتحدة الاميركية على وجه الخصوص , يدور اغلبها من وجهة نظري حول التنافس على المصالح الجيوسياسية ورغبات الهيمنة والنفوذ والسلطة على رقعة الشطرنج العالمية , كما قد تؤدي بعض القضايا السياسية والامنية الى الدخول في ذلك النوع من الصراعات والنزاعات بين القوى الدولية , كما قد تلجا بعض القوى الفاعلة في النظام الدولي الى هذا النوع من الصراعات كنتيجة طبيعية عند شعورها بتراجع او انهيار منظومتها الاقتصادية , ما يدفعها الى اللعب بهذه الورقة لإعادة التوازن او لتقليص الفجوة في القوة الاقتصادية المواجهة , او لتضييق الخناق على اقتصاد الدول المنافسة . او لحماية ما تبقى من مصالحها الاقتصادية المهددة من قبل القوى الناشئة .

ومن ابرز الامثلة الحاضرة على مثل هذه التوجهات في النظام الدولي الراهن تلك السلوكيات السياسية والتوجهات والقرارات الاقتصادية والتجارية التي اتخذتها كل من الولايات المتحدة الاميركية والصين في الفترة من العام 2016م – 2018م في حق بعضهما البعض , والتي كان اخرها في شهر ابريل من العام 2018 عندما قرر الرئيس الامريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية على واردات بلاده من الفولاذ والألمنيوم والتي ردت عليها الصين بتاريخ 6 ابريل بإجراء مماثل على سلع امريكية مختلفة . ولا زالت نتائج ذلك القرار وردود الافعال المتبادلة عليه مستمرة حتى يومنا هذا .

وتعليقا على التطورات الأخيرة ( قال أنجيل جوريا الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين مقلق للغاية ,

وأوضح جوريا في معهد تشاتام هاوس الدولي البحثي في لندن: هذا أمر مقلق للغاية. تتحدثون عن أكبر بلدين تجاريين في العالم. وأضاف :هذا ليس في مصلحة أحد، إنه أمر سيئ… وضع يخسر فيه الجميع )([3])

ويلحظ المتتبع لتلك المتغيرات والتحولات الكبرى الحاصلة في النظام العالمي ان العولمة الاقتصادية ادت الى انهيار الكثير من الحدود الفاصلة بين الفوضى والاستقرار  في النظام الدولي بالقرن21 , سواء اكانت تلك الحدود فواصل قانونية او سياسية او امنية او غير ذلك , الامر الذي ادى بدوره الى تمزق العديد من السياسات والعلاقات بين الدول , وللأسف الشديد كان على قائمة تلك الجوانب التي تأثرت بمد العولمة الاتفاقيات التجارية التي لم تعد تؤدي احد اهم ادوارها الرئيسية , وهو الدور السياسي والامني في احلال الاستقرار والسلام بين الامم والشعوب انطلاقا من مبادئ الاعتمادية او التبادلية على سبيل المثال لا الحصر .

حيث ان للتجارة ( دور بالغ الاهمية في منع الحرب , لأنها تعزز تأثيرات مهدئة مباشرة وغير مباشرة , فبجانب الاثر المباشر , هناك اثار غير مباشرة للتجارة الحرة على تقليل مخاطر النزاع العسكري , وذلك عن طريق النمو والازدهار الاقتصادي والرفاهية وكذلك الديموقراطية , وبما ان استثمار المكاسب المتحققة من التجارة هو الهدف او الجوهر الرأسمالي والاسواق الحرة)([4]) و( لهذا السبب يرى البعض بانه يمكن جيدا للجيو- اقتصاديين وغيرهم ان يصلوا الى قناعة بان الصراع العسكري يتراجع عندما تزاد التبعية المتبادلة التجارية او المالية بين الامم )([5])

كذلك ومن الجوانب التي اصابها التأثير في هذا السياق النمو الاقتصادي للدول  والذي كان له ابلغ الاثر في توسيع دائرة الاضطراب والصراع على رقعة الشطرنج العالمية في وقت كان يفترض فيه ان يكون للنمو الاقتصادي الدور الابرز في رفع مستوى الاستقرار السياسي والامن الانساني واحلال السلام بين البشر . فارتفاع مداخيل وموازنات العديد من الدول دفعها الى التوسع في ترسانتها العسكرية , الامر الذي ادى بدوره الى زيادة واضحة في اعداد الصراعات والنزاعات والتدخلات الدولية , بل وابرز ظاهرة سياسية ربما تكون جديدة بعض الشيء على التاريخ السياسي , وهي ظاهرة ارتفاع سقف رغبات النفوذ والهيمنة عند الدول الصغيرة ذات الثروات المالية الكبيرة , والتي كان لها ابلغ الاثر كذلك في توسيع تلك الدائرة من الصراعات والنزاعات والحروب العابرة للحدود الوطنية .

وبحسب راي هنتجتن في كتاب صدام الحضارات من ان التجارة بين الدول قد مزقت السياسة العالمية عبر اساليب مختلفة جميعها تدور حول الاثر السلبي للنمو الاقتصادي على واقع الامن والاستقرار السياسي والعسكري قائلا ان : ( النمو الاقتصادي يمكن الدول الاسيوية من توسيع قدراتها العسكرية ويثير القلق بشان العلاقات المستقبلية بين هذه الدول ودفع الى الصدارة بقضايا ومنافسات كانت مكبوتة , كما ان النمو الاقتصادي يزيد من حدة الصراعات بين المجتمعات الاسيوية والغرب والولايات المتحدة الاميركية ويقوي من قدرات المجتمعات الاسيوية على ان تسود في تلك الصراعات , كما ان النمو الاقتصادي لأكبر قوة في اسيا يزيد من النفوذ الصيني في المنطقة وسيطرتها التقليدية في شرق اسيا )([6])

[1] – اوديد شينكار , العصر الصيني – القوة الاقتصادية الفائقة في القرن 21- ترجمة : مركز التعريب والبرمجة , ط1/ 2005 . لبنان/ بيروت 

[2] – دانييل بورشتاين وارنية دي كيزا , التنين الاكبر – الصين في القرن الواحد والعشرين – ترجمة : شوقي جلال , سلسلة عالم المعرفة , رقم 271/ 2001م 

[3] – هل بدأت الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة ؟ صحيفة الشرق الاوسط اللندنية , www.aawsat.com , بتاريخ 4/4/2018م

[4] – ايريش فيدة , توازن القوى – العولمة والسلام العالمي – ترجمة : علي خليل , دار الشروق للنشر والتوزيع , بيروت / لبنان , ط1/2005

[5] – الفن تافلر , حضارة الموجة الثالثة , ترجمة : عصام الشيخ , الدار الجماهير للنشر والتوزيع والاعلان , ليبيا , ط1/1990م 

[6] – صامويل هنتجتن , صدام الحضارات , اعادة صنع النظام العالمي , ترجمة : طلعت شايب , ط1/1998م 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق