بقلم رئيس التحرير

تأثير الموقع المحوري لسلطنة عمان على سياستها الخارجية وامنها الاستراتيجي

يعد ارتفاع سقف تأثيرات وضغوط الجغرافيا السياسية على الامن القومي والسياسة الخارجية العمانية من ابرز النماذج والامثلة الواقعية على تطبيقات مقولة الجنرال ورجل السياسة الفرنسي شارل ديجول : ان الجغرافيا هي قدر الامم . وان كان هذا القدر قد مكن سلطنة عمان من امتلاك العديد من الاوراق السياسية والامنية الرابحة على رقعة الشطرنج الدولية عموما , والشرق اوسطية على وجه التحديد , ما جعلها واحدة من ابرز القوى المحورية في منطقة الشرق الاوسط و( عقدة الالتقاء عند مدخل الخليج العربي )( ) وغيرها الكثير من المميزات والخصائص والسمات التي ترفع من مستوى الاهمية الجيوسياسية والاستراتيجية لسلطنة عمان. وهو ما اشار اليه بدقة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله – في قوله ( اننا بوابة الجزيرة العربية وطريق النفط ) ( )
الا انه وفي ذات الوقت تسبب لها بالكثير من التحديات السياسية والاشكاليات الامنية والاقتصادية وفاقم من تراكم المسؤوليات الدولية والاقليمية عليها ,مع تزايد انعكاسات ما يطلق عليه بالصراع حول مناطق النفوذ والهيمنة والسلطة في منطقة الشرق الاوسط . حيث تعد سلطنة عمان واحدة من ابرز مفاتيح الولوج الى تلك المنافذ الاستراتيجية . بل ويمكن التأكيد على ان تلك المكانة تضعها في موقع الثقل الاستراتيجي والجذب السياسي الذي يدفع ببقية اطراف المنظومة الدولية الطامحة الى تعميق دورها الاقليمي والعالمي في هذه المنطقة الى مساعي استجداءها والتقارب والتحالف معها من جهة , او السعي الى اختراقها واضعافها والسيطرة عليها بمختلف الوسائل الهادفة الى ازاحتها وابعادها عن طريقهم من جهة اخرى.
وفي هذا السياق يقول صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله- ( لا شك انه لم يعد يخفى على احد ان الجزيرة العربية بما فيها الخليج … في كل بقعة منها اكثر من ثروة , ولعل في مقدمتها البترول تصبح مطمعا , ان هذه الثروات تفتح شهية الاخرين , اينما كانوا شرقا او غربا , ولعلك تستطيع ان تلمس ذلك في المنافسة التي تقوم بها الشركات , ولا شك ان دول هذه الشركات تقف وراءها … بل اكثر من ذلك فان البعض يحاول ان يتبع اساليب تفتيت الوحدة الوطنية من اجل ماربهم في خيراتنا )( ) . يضاف الى تلك العوامل ان منطقة الشرق الاوسط تحتوي اصلا على ( بذور متعددة للخصام والعداوة فيما بين دولها منذ القدم …. كما لم تخل المنطقة وبالذات منطقة الخليج العربي من الصراعات الدولية خاصة بعد ادراك الدول العظمى مكانتها الاستراتيجية والاقتصادية نظرا لثرواتها من النفط الاساسي للازم لنهوض الصناعات المتطورة في البلدان الصناعية , اضافة الى احتضانها لمضيق هرمز الممر الهام نحو العوالم الخارجية والمتحكم في سير النفط )( )
على ضوء ذلك وجدت سلطنة عمان نفسها في دائرة ضيقة من الخيارات الاستراتيجية المتاحة للناي بالنفس بعيدا عن عواصف التجاذبات والصراعات الدولية والاقليمية في منطقة الشرق الاوسط , وفي نفس الوقت كانت مضطرة للعب دور استراتيجي بالغ الاهمية والحساسية في هذه البيئة المليئة بالنزاعات والازمات السياسية والامنية بالغة الخطورة والتعقيد بحكم موقعها الاستراتيجي المحوري من جهة , ولأنها بكل تأكيد على يقين تام بانها جزء لا يتجزأ من هذه البيئة المضطربة والتي بلا شك ستنعكس تأثيراتها وانعكاساتها الخطيرة عليها من جهة اخرى سواء كان ذلك على المدى القريب او البعيد في حال تفاقم سقف ازماتها ومشاكلها .
الامر الذي دفعها برحابة صدر الى ان تمارس دور” الوسيط ” من جهة , و” الإِطْفَائِيُّ ” لعشرات الملفات الساخنة او المشتعلة في هذه المنطقة من رقعة الشطرنج الدولية من جهة اخرى بالرغم من ادراكها بان منطقة الشرق الاوسط ستظل ( المنطقة الاكثر احتمالا للانفجار في العالم كله . مهد الحضارة التي يمكن ان يغدو مقبرتها )( ). وكذلك ان ذلك سيتسبب لها بالكثير من الضغوطات السياسية والاقتصادية والمسؤوليات الامنية. هذا الدور الذي مارسته بكل احترافية سياسية وامنية بعيدا عن الانانية والاملاءات والتفضل به على احد , بل وكما اشار جلالة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان بانه امتداد لما تشعر به سلطنة عمان من واجب عليها تجاه امن واستقرار المنطقة . ومن خلال هذه الادوار تشكلت النظرة العمانية السياسية منها والامنية الى قضايا المنطقة بوجه عام والى قضايا وملفات منطقة الخليج العربي على وجه الخصوص .
وفي هذا السياق يقول جلالة السلطان – حفظه الله – ان ( عمان لا تريد ان تفرض نفسها على احد ولكن عمان مستعدة دائما وابدا ان تقوم بواجبها وتقوم بدورها في المنطقة حسب امكانياتها واستطاعتها ومكانتها في العالم , وان تؤدي دورها المطلوب منها من اجل تحقيق الهدف الاسمى وهو الرفاه والامن والاستقرار وكل ما فيه مصلحة المنطقة , وعلى كل حال فان الذي علينا هو تنفيذ الواجب )( ) . ويؤكد ذلك كذلك بقوله ( ان طموحات عمان السياسية ان تحافظ دائما على التوازن في جميع السياسات وان تحد من التطرف في أي اتجاه وهذا هو الدور الذي تسعى اليه السلطنة دائما وتطمح في ان تنجح فيه ) ( )
ومن ابرز الامثلة الراهنة والملفات الحاضرة على تلك التأثيرات العابرة للحدود الوطنية النابعة من صراع القوى الإقليمية والدولية على رقعة الشطرنج الشرق اوسطية , والتي كان لها ابلغ الاثر في تشكيل مجموعة الضغوط السياسية والامنية الناتجة عن ارتدادات الموقع الجغرافي والمكانة الجيوسياسية ومكانة السلطنة بين مركز الجذب والتأثير الاقليمية. الملف النووي الايراني وملف الصراع في اليمن على سبيل المثال لا الحصر . تلك الملفات التي كانت فيها سلطنة عمان حاضرة امنيا وسياسيا في الصفوف المتقدمة , انطلاقا من الاسباب والاهداف والدوافع التي سبق التطرق اليها
اذا يمكن التأكيد على وجود مصدرين واضحين لبناء وتشكيل البعد الامني في الاطروحات العمانية لأمن واستقرار منطقة الشرق الاوسط . بالرغم من تحديات وضغوطات تلك النظرة الاستراتيجية عليها ,هما : ( ما فرضته الحقائق الجيواستراتيجية المتمثلة بموقع سلطنة عمان على مدخل الخليج العربي ” مضيق هرمز ” حيث انها تشرف على الجهة الغربية من هذا المدخل وهي الجهة المؤثرة والمهمة حيث يمر فيها معظم خطوط الملاحة الدولية العابرة لهذا المضيق , وتشاطئها عليه ايران التي لم تكن ايام الشاه او الان على وفاق مع بعض دول الخليج العربية …… وثانيهما : هو تلك الخبرة التاريخية التي تكونت لدى السلطنة من خلال تجاربها مع القوى الدولية والاقليمية في مياه الخليج العربي والمحيط الهندي بحكم موقعها الجغرافي )( )
الامر الذي كان له ابلغ الاثر كما سبق اشرنا في التأثير على الكثير من مشاريع الهيمنة وطموحات النفوذ او خيارات توازن القوى المختلفة سواء تلك الاقليمية منها او القارية او حتى الدولية في الشرق الاوسط من جانب , او على امن واستقرار المنطقة من جانب اخر , وهو امر غير خاف على مختلف اطراف المنظومة الدولية سواء من الدول او المؤسسات السياسية والامنية العابرة للحدود الوطنية , الامر الذي ادى بدوره كذلك الى ارتفاع سقف تلك الضغوطات السياسية والامنية عليها من جهة , وازدياد الاطراف الضاغطة عليها من جهة اخرى . خصوصا تلك القوى الاقليمية التي تسعى الى التأثير واستغلال التحولات في النظام العالمي الراهن من اجل تحقيق اهدافها وطموحاتها على رقعة الشطرنج الشرق اوسطية . او اخرى تختلف معها في سياساتها وتوجهاتها ونظرتها الى بعض القضايا والملفات السياسية والامنية في منطقة الشرق الاوسط . والذي بدوره برز جليا في مستويات الخطاب السياسي للعديد من القوى الاقليمية والقارية او حتى الدولية تجاه ذلك الدور الذي تلعبه السلطنة العمانية على رقعة الشطرنج الشرق اوسطية .
وما يجب الاشارة اليه والتنبيه عليه في هذا السياق . ان تلك الضغوط السياسية والامنية على سلطنة عمان ستتزايد خلال المرحلة الزمنية القادمة بسبب تزايد وتشابك ملفات الصراع وارتفاع مستوى كم وكثافة الازمات السياسية والامنية في منطقة الشرق الاوسط , يضاف الى ذلك ارتفاع سقف تلك التعقيدات النابعة عن بروز العديد من التوجهات الكبرى في النظام العالمي المتشكل من عشرات الملفات المعقدة اصلا كبروز نظام حكم الكثرة وتراجع المركزية الاميريكية ومازق توازن القوى الدولية وارتفاع سقف التجاذبات والصراعات الطائفية والقومية . وتطور وسائل وادوات الصراع السياسية والعسكرية , وظهور العديد من الاصطفافات والتحالفات الفضفاضة على رقعة الشطرنج الشرق اوسطية , والتي اجد انها ستدفع الى انقسامات وتحولات جوهرية في هياكل البنية السياسية في المنطقة . ما سيؤدي بدوره كذلك الى تزايد الضغوطات على السياسة الخارجية العمانية من جهة وارتفاع سقف المخاطر على امنها الوطني من جهة اخرى .

– د. عبدالرزاق حسين , الجغرافيا السياسية , مطبعة اسعد , بغداد العراق , بدون ط / 1976م ,
– مجلة المستقبل “باريس” بتاريخ 3/5/1981م , نقلا عن صحيفة عمان العمانية , ع 140/س1 , المجلد 1 ,
– لقاء صحفي – مجلة درع الوطن الظبيانية الاماراتية , نقلا عن جريدة عمان , بتاريخ 14/يوليو/1973م , س1/ع35
– د. علي بن احمد العيسائي , ازمة الملاحة والمرور في مضيق هرمز , مكتبة الضامري للنشر والتوزيع , مسقط / سلطنة عمان , ط1/2014م ,
– ريتشارد نيكسون , 1999نصر بلا حرب , اعداد وتقديم المشير عبدالحليم ابو غزالة , مركز الاهرام للترجمة والنشر , ط3/1991م
– اول مؤتمر صحفي للصحافة العمانية مع السلطان قابوس بن سعيد – سلطان عمان – بتاريخ 1/يونيو/1974م , جريدة عمان العمانية , س 2/العدد 81
– مجلة المستقبل الفرنسية الصادرة بباريس , 30/10/1983م , صحيفة عمان العمانية , س 3/ع 909 , مجلد 12 ,
– د. محمد مبارك العريمي , الرؤية العمانية للتعاون الخليجي , مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية , ع 121,ط1/2007م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق