تحليلات واراء

انتخابات النمسا ودروس هزيمة اليمين المتطرف

صحيفة القدس العربي

أسفرت الانتخابات التشريعية النمساوية عن نتائج متفاوتة بعضها كان متوقعاً وينتظره المراقبون وبعضها الآخر شكل مفاجأة لم تكن في الحسبان تماماً، خاصة وأن الناخب توجه إلى صندوق الاقتراع في انتخابات مبكرة فرضها انهيار الائتلاف الحاكم السابق. ومن المعروف أن المستشار النمساوي السابق سباستيان كورتس اضطر إلى فض تحالفه مع حزب «الحرية» اليميني المتطرف في أعقاب «فضيحة إيبيزا» المدوية التي ضربت زعيم هذا الحزب وكشفت استعداده لقبول تمويل من رجال أعمال روس لقاء تقديم تسهيلات استثمارية وضمان حصولهم على مناقصات وعطاءات.
ولقد كان متوقعاً أن يحافظ حزب «الشعب» بقيادة كورتس على الصدارة بالنظر إلى أن زعيمه لم يتأخر في النأي بنفسه عن الفضيحة واحتكم إلى صناديق الاقتراع، ومع ذلك فإن التقدم الذي أحرزه الحزب بزيادة 5,7 عن نتائجه في انتخابات عام 2017 كانت مفاجئة بعض الشيء. كذلك انطوت هزيمة «الحرية» النكراء على بعض المفاجأة لأن حجم العقاب الذي أنزله الناخب بهذا الحزب لم يكن يتناسب مع مؤشرات المناخ الشعبوي ومشكلات البطالة والموقف من الهجرة والأجانب، والتي كانت تشجع على اضطراد شعبية الحزب.
في المقابل شمل العقاب الاشتراكيين الديمقراطيين الذين لم يكونوا شركاء في الحكم وهم يمثلون يسار الوسط الأقدم والأعرق في النمسا، إذ تراجعوا بمعدّل 4,9٪ تقريباً رغم أنهم حلوا في المرتبة الثانية. ولعل هذا المؤشر يتجاوز الإطار المحلي النمساوي ويصب في تيار أوروبي عام أخذ يشهد انحسار الالتفاف الشعبي حول البرامج الاجتماعية لممثلي الاشتراكية الديمقراطية عموماً. وكي تتأكد الظاهرة ذاتها ولكن من زاوية أخرى مكملة، نجح حزب «أنصار حماية البيئة» في تعزيز مكانته وحيازة 14٪ من الأصوات مقابل 4٪ فقط في انتخابات 2017، مما يؤكد أيضاً تقدم تيارات الخضر على اليسار التقليدي الأوروبي.
وبذلك فإن دلالات هذه النتائج المتفاوتة، المتوقع منها والمفاجئ، لا تقتصر على موقف الناخب النمساوي من مسائل السياسة والاقتصاد والحكم وأداء الأحزاب الكبيرة أو الصغيرة، وهي ليست قليلة في واقع الأمر لأن مجموعها يبلغ 16 حزباً، بل تندرج أيضاً في ما يعتبره علماء الاجتماع «أزمة هوية» باتت المجتمعات الغربية تعاني منها أكثر فأكثر. وقد يصح القول إن اليمين المتطرف النمساوي يدفع اليوم ثمن الفضيحة التي تورط فيها زعيمه، ولكن الصحيح أيضاً هو أن هذا التيار يضرب بجذوره عميقاً في شرائح غير قليلة داخل المجتمع النمساوي، وقد ترسخ بقوة منذ صعود زعيمه التاريخي يورغ هايدر ودخوله في ائتلاف حكومي مع حزب «الشعب» أيضاً، في عام 2000.
ومن مفارقات «أزمة الهوية» أن غالبية ملحوظة من فئات العمال ومحدودي الدخل يلتفون حول أحزاب اليمين المتشدد ليس لأن برامجه السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية تستجيب لمطالبهم المعيشية، بل أساساً بسبب الانزلاق خلف الأفكار الشعبوية حول الهوية القومية والتقوقع على الذات ورهاب الأجانب. وعلى نحو معكوس فإن نتائج الانتخابات الأخيرة تمنح كورتس فرصة أن يكون للمرة الثانية أصغر زعماء أوروبا سناً، ولديه القدرة على تشكيل تحالف حكومي يجمع فئات اليمين والخضر والاشتراكيين الديمقراطيين رغم أنه غازل اليمين المتطرف والاتجاهات العنصرية.
وهذه وسواها مظاهر تعكس مآزق الديمقراطيات الغربية، وفيها الكثير من الدروس والعبر.

 

رأي القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



إغلاق