شؤون اقتصادية

المديونية الهائلة.. هل خطر الدين العام حقيقة أم وهم؟

يناقش الاقتصاديون أكثر فأكثر ما يعتبرونه خطرا تمثله المديونية الهائلة للدول، مع علمهم أنها لا تكون خطيرة إذا بقيت أسعار الفائدة منخفضة للغاية مثل ما هي عليه اليوم، إلا أن ما يشغل البال في الموضوع هو هل سيكتفي الدائنون بذلك؟ وهل ستعرف الدول كيف تستثمر بذكاء؟
وفي مقال بصحيفة ليزيكو الفرنسية، تناول الصحفي المختص بالاقتصاد جان مارك فيتوري إشكالية الديون المتراكمة على الدول، وانطلق من مسلمة تفيد بأن الاقتصاد في خطر كبير وأنه يوشك أن يضمحل.
وقال الصحفي إن الإنتاج يوما ما سينخفض​​ ولن يزداد بعدها، وأوضح أن القلق يتصاعد في الولايات المتحدة ويحوم حول أوروبا، متسائلا هل لدى الدول ما يكفي لمحاربة الركود القادم؟
واستشهد فيتوري بما أعرب عنه الرجل الثاني في صندوق النقد الدولي ديفد ليبتون في يناير/كانون الثاني الماضي من مخاوف عندما قال “في الوضع الحالي، لا يوجد ضمان بأن الوسائل ستكون كافية لمنع الركود من أن يصبح أزمة جديدة حقيقية ودائمة”.
هامش المناورة
ومع ذلك -يقول الصحفي- قد لا يكون لهذه المخاوف أي أساس، فقد دفعت الأزمة المالية 2007-2008 الحكومات إلى ابتكار أدوات اقتصادية، كما دفعت الاقتصاديين إلى إعادة النظر في الآليات الاقتصادية، وهكذا وجدوا هوامش للمناورة غير متوقعة.
وأوضح الكاتب أن الدول اليوم أكثر مديونية مما كانت عليه قبل عشر سنوات، وأن حجم الدين العام ازداد في البلدان المتقدمة بمقدار النصف منذ بداية الأزمة المالية ليبلغ 103% من الناتج المحلي الإجمالي اليوم مقابل 71% في العام 2007، وفقا لصندوق النقد الدولي.
لكن في المقابل تدنت أسعار الفائدة التي تتقاضاها البنوك المركزية إلى حوالي 3% في الولايات المتحدة و4% في منطقة اليورو.
يشار إلى أن مستويات الدين العالمي سجلت رقما قياسيا بلغ 182 تريليون دولار في 2017 بنمو 50% مقارنة بالأعوام العشرة السابقة، وفق بيانات النقد الدولي.
أصل الجحيم
ويقول الصحفي فيتوري إن الدين العام الهائل لم يطرح مشكلة كبيرة على عكس ما كان يخشى، ولم ينفجر سعر الفائدة الطويلة الأجل الذي تمول على أساسه الدول، بل على العكس لا يزال منخفضا إلى حد كبير، وإن خدمته تراجعت على مستوى الإنفاق العام.
وأوضح أن سقوط اليونان اقتصاديا أظهر ما يمكن أن تحدثه سياسة الخنق المالي التي تدفع لخفض الإنفاق الحكومي والزيادات الضريبية من دمار، مما يؤثر على النشاط ويزيد حجم الديون بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي بدلا من خفضها.

حسب بيانات صندوق النقد الدولي فقد بلغ الدين العالمي 182 تريليون دولار في 2017 (رويترز)
وأشار فيتوري إلى أن البنوك المركزية خلقت مجموعة من الأدوات أثناء الأزمة الأخيرة، منها تقديم قروض للبنوك على مدى سنوات عدة بمعدلات متدنية للغاية، ومنها شراء الأصول المالية.
وعلى عكس ما يخشاه ديفد ليبتون والعديد من الخبراء، فإن الأسلحة اللازمة لمحاربة الأزمة القادمة جاهزة، حسب ما يراه فيتوري، الذي يشير إلى أن هذا الانفتاح لا يقتصر فقط على أوقات الأزمات.
كرة الثلج
ويقول الصحفي إن اليابان رغم تراكم الدين الهائل لم تقع في ورطة حتى الآن، موضحا أن هذه هي الرسالة التي يوجهها كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي أوليفييه بلانشار لدفع الاقتصاديين إلى إعادة النظر في نظرياتهم.
بلانشار قال في بداية هذا العام في ندوة نظمتها جمعية الاقتصاديين الأميركيين إنه “لا داعي اليوم للقلق بشأن الدين العام”.
والسبب بسيط -كما ينقل الصحفي فيتوري- هو أن سعر الفائدة الذي تتحمله الدول على الديون أقل من معدل نمو قيمة الإنتاج، وبالتالي “ستنخفض ​​نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بمرور الوقت دون الاضطرار إلى رفع الضرائب”، ولن يكون هناك تأثير كرة الثلج.
وقال الصحفي إن هناك لحنا نشازا عزفته مجموعة من الاقتصاديين يعود إلى نظرية قديمة من بداية القرن العشرين مفاده أن الديون الهائلة عندما تتراكم على الدولة تستمر حتى بداية التضخم، حيث يدل ذلك على أن الاقتصاد يتعثر لأن الموارد أصبحت غير كافية، ومن ثم يكون الحل بزيادة الضرائب لخفض الارتفاع في الأسعار.
لكن أوليفييه بلانشار لا يذهب إلى هذا الرأي، فهو يعتقد أن “الدين العام قد يكون ضارا لكنه ليس كارثيا”، ويمكن استخدامه لكن بحكمة.
ويرى بلانشار أنه قد يكون من الكفاءة الاقتصادية زيادة الدين العام للتحضير لمستقبل أفضل، منبها إلى أن المشكل هو في تحديد ما هي الاستثمارات الواعدة.
المصدر : ليزيكو,رويترز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



إغلاق