تحليلات واراءحصاد الاخبار

المدن الذكية والثورة الصناعية الرابعة

صحيفة الوطن العمانية

تعد المدن الذكية التحول العصري النوعي التي تنتقل بها الدول إلى عالم جديد تتحدد معالمه عبر التقدم العلمي والثورة التقنية اللافتين اللذين باتا معيارًا لقياس النجاح والتقدم لكل دولة من دول العالم، واللذين يلعبان أدوارًا مهمة للغاية من بينها الربط والاتصال داخليًّا بين المدن والمحافظات ببعضها بعضًا، وخارجيًّا بين الدول التي ترتبط بعلاقات سياسية واقتصادية وتجارية وثقافية وغير ذلك.
وكما هو معروف ومتداول عن مفهوم المدن الذكية ودورها فإنها توفر معالجات عديدة للآثار السلبية الظاهرة حاليًّا على مستوى المدن الكبرى من حيث ما تعانيه من اكتظاظ سكاني جراء الهجرات المستمرة إليها، وتركز الخدمات الأساسية بها، وهو ما يمثل ضغطًا كبيرًا على البنية الأساسية والخدمات داخل المدن، وتزايد الطلب على الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والصرف الصحي، فضلًا عن الاستخدام المفرط للموارد كالمياه وغيرها.
لذا ينظر إلى مفهوم المدن الذكية على أنها الحلول القادرة على تدارك الاختلالات السلبية، وبناء منظومة اقتصادية واجتماعية تمتلك الإمكانات لإدارة الاكتظاظ السكاني وتوزيعه، وإقامة بنية أساسية قادرة على التعاطي مع ذلك بتقديم الخدمات الأساسية إلى طالبيها وفق نظام دقيق قوامه التقنيات الحديثة ونتاجات الثورة الصناعية الرابعة، بحيث يعاد تشكيل المدن تخطيطيًّا مستفيدًا من المثالب والأخطاء والسلبيات التي برزت في شكل تحديات أمام المخططين، وذلك من خلال التوزيع المحكم والتخطيط السليم من حيث الطرق والجسور والأنفاق والمؤسسات الخدمية، والمستشفيات والمراكز الصحية والمدارس والكليات والجامعات، بما يوفر الموارد ويحقق الأمن والنظام والهدوء.
لقد باتت الحاجة ماسة إلى رؤية هذا النوع من المدن والاستثمار فيها في ظل النمو الحتمي السكاني، بحيث لا يقتصر هذا النوع على العواصم فقط، وإنما يجب أن يشمل جميع المدن الرئيسية وجميع المحافظات ومناطق التوزيع الإداري، الأمر الذي سيترتب عليه التوازن المنشود، سواء من حيث الاكتظاظ والتوزع السكاني، أو من حيث توافر الخدمات ومستوياتها، فلا تكون هناك حاجة لدى الناس إلى السفر إلى العواصم طلبًا للخدمة، فضلًا عن التوظيف الحقيقي والسليم للتقنيات ووسائل الاتصال الحديثة.
مؤتمر المدن الذكية والثورة الصناعية الرابعة المصاحب لمعرض كومكس 2019 الذي أقيم بمركز عمان للمؤتمرات والمعارض يضع أقدام السلطنة على طريق الانتقال إلى بناء هذا النوع من المدن وتحريك الاستثمار فيها وجذبه إليها، فالمؤتمر يناقش أبرز التوجهات العالمية في مجال الثورة الصناعية الرابعة وإنترنت الأشياء، والمدن الذكية والبيانات الضخمة، وسلاسل الكتل (البلوكتيشن). وحسب المؤتمر فإن “كافة الظروف في السلطنة مهيأة للاستثمار في المدن الذكية، كما أن هناك حرصًا واهتمامًا من القائمين على التخطيط في السلطنة بتطوير المدن الذكية”، فضلًا عن أن إحدى الأولويات الوطنية لرؤية “عمان 2040″ الخاصة بتنمية المحافظات والمدن المستدامة ركزت على بناء مدن ذكية ومستدامة بجودة عمرانية عالية للمعيشة، والعمل إلى جانب توفير وسائل نقل متنوعة وسهلة الوصول مع التنمية العمرانية.
وإزاء ذلك تعمل الحكومة على عدد من المبادرات والمشروعات الاستراتيجية مثل “مشروع نظام العنونة الموحد” و”خدمات البيانات المكانية الجغرافية” التي توفر قاعدة صلبة لأي مدينة ذكية في مرحلة التخطيط وحتى التنفيذ والرصد. كما أن السلطنة في مجال الحكومة الإلكترونية قد خطت خطوات واسعة جدًّا، وهو ما يتواكب مع التوجه المنشود بإقامة مدن ذكية.
إن التحول نحو إقامة المدن الذكية هو أحد متطلبات العصر لما تشهده المدن الكبرى من نمو سكاني وعمراني يستدعي تدخلًا منظمًا وتخطيطًا سليمًا، وهذا ما تساعد عليه اليوم النهضة العلمية والتقنية.

رأي الوطن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



إغلاق