بريد القراء

الفوضى الخلاقة تعربد في “الشانزليزيه”

صحيفة الوطن العمانية

مظاهرات السترات الصفراء التي ضربت فرنسا يشبهها البعض بثورات “الربيع العربي” التي اجتاحت بعض الدول العربية في العام 2011م, وسمعنا فيها نفس المصطلحات من قبيل القلة المندسة, والمتظاهرون غير مسيسين وليس لهم قائد ولا انتماءات حزبية، وإنما حركتهم الاحتياجات الاقتصادية والظروف الاجتماعية, وكانت وسيلة الحشد والتنظيم واحدة عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي..

شهدت فرنسا السبت الماضي يوما أسود لم تشهد مثله في تاريخها الحديث, بعدما احتل المتظاهرون أصحاب السترات الصفراء شوارع باريس, احتجاجا على فرض الحكومة ضريبة على الوقود, تخلت المظاهرات التي شارك فيها 300 ألف على مستوى فرنسا ـ حسب تقديرات الشرطة الفرنسية ـ منهم عشرة آلاف متظاهر في باريس, التي تحولت شوارعها إلى ساحة للفوضى والمواجهات الدامية بين الشرطة والمتظاهرين, الذين أطلقوا قنابل الطلاء الصفراء تجاه قوات الأمن, وحطموا سيارات المواطنين الفرنسيين, وحرقوا مركبات الشرطة واستولوا على السلاح الموجود بها, وأضرموا النار في المباني الحكومية والخاصة ومقرات البنوك, وأتلفوا ماكينات الصراف الآلي ونهبوا المتاجر الشهيرة والمطاعم والمقاهي الفاخرة, التي طالما زينت شوارع باريس. وصلوا إلى جادة الشانزليزيه واعتلوا قمة قوس النصر, وراحوا يشوهون أعمدته وأبراجه بالطلاء الأصفر ويكتبون العبارات المسيئة على جدرانه وحطموا تمثال ماريان رمز الثورة الفرنسية.
الرئيس الفرنسي لم يقطع زيارته للأرجنتين؛ حيث يشارك في قمة العشرين, ولكنه توعد المتظاهرين من هناك ووصفهم بالغوغائيين المتآمرين على الجمهورية الفرنسية, وهدد وزير الداخلية الفرنسي بشن حرب لا هوادة فيها ضد المتورطين في العنف الذين رصدتهم كاميرات المراقبة مهما بلغ عددهم, وطلبت نقابة الشرطة من الحكومة إعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد أسوة بما حدث في أحداث الضواحي عام 2005, والهجمات الإرهابية في 2015م.
رغم رفض معظم الفرنسيين لما حدث من عنف يوم السبت الماضي, إلا أن بعضهم حمَّل ماكرون المسؤولية عن وصول الوضع لحالة الانفجار بسبب سياساته المنحازة للأغنياء بعدما خفض الضرائب المفروضة عليهم, في الوقت الذي رفع الضرائب على محدودي الدخل أصحاب الحد الأدنى للأجور الذي يبلغ في فرنسا 1480 يورو شهريا.
ويعيب البعض على ماكرون انصياعه لضغوط الاتحاد الأوروبي الذي يضع قيودا شديدة على الموازنات الأوروبية بحيث لا تتجاوز نسبة العجز فيها 3%, وهو ما أدى بالحكومة الفرنسية لضغط الإنفاق وفرض مزيد من الضرائب وتقليص الدعم والمزايا التقاعدية, ووقف التوظيف في المرافق العامة كالمطارات والبريد والسكة الحديد والمدارس والمستشفيات, مما ألقى بأعباء كبيرة على العاملين بهذه المرافق نتيجة النقص الشديد في الكوادر بسبب عدم وجود ميزانيات للتوظيف, في الوقت الذي خفض فيه الضرائب على القطاع الخاص ورجال الأعمال لكي يشجعهم على التوسع في التوظيف وتقليل نسب البطالة المتزايدة في فرنسا.
مظاهرات السترات الصفراء التي ضربت فرنسا يشبهها البعض بثورات “الربيع العربي” التي اجتاحت بعض الدول العربية في العام 2011م, وسمعنا فيها نفس المصطلحات من قبيل القلة المندسة, والمتظاهرون غير مسيسين وليس لهم قائد ولا انتماءات حزبية، وإنما حركتهم الاحتياجات الاقتصادية والظروف الاجتماعية, وكانت وسيلة الحشد والتنظيم واحدة عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي, كما أن التحريض على النزول كان بنفس الوسيلة؛ نشر فيديوهات مفبركة على “اليوتيوب” لاعتداءات الشرطة على متظاهرين, مع التركيز على منظر الدماء وآثار الضرب التي تستفز الشباب الصغير, فيسارعون للنزول وهم مسلحون ويضعون الأقنعة على وجوههم ويشرعون في تحطيم وحرق كل ما تقع عليه أعينهم انتقاما من النظام الفاسد والشرطة القمعية والمجتمع الظالم وهو نفس الدور الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي في أحداث “الربيع العربي” وأدى إلى تصاعد الأحداث, من احتجاجات محدودة إلى ثورات قوضت بنيان دول وأطاحت بأنظمة مستقرة، وأشعلت حروبا أهلية ما زالت مستمرة حتى الآن, وألقت بالمنطقة في أتون صراعات واضطرابات وحالة من عدم الاستقرار والانهيار الاقتصادي الذي يدفع ثمنه الفقراء.
اتهم البعض اليمين المتطرف بقيادة ماري لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية, بالتورط في الأحداث بسبب تصريحاتها التي لامت فيها الشرطة الفرنسية على التصدي للمتظاهرين, مؤكدة أن التظاهر حق دستوري وحملت الشرطة المسؤولية عن تصاعد الأحداث بسبب لجوئها للعنف في التعامل مع المتظاهرين, ولكن لوبان خرجت عقب أحداث السبت الماضي لتدين العنف والتخريب الذي صاحب التظاهرات, وتؤكد أنها كانت تقصد التظاهر السلمي والتعبير الهادئ عن الرأي.
انتقلت عدوى احتجاجات السترات الصفراء إلى بلجيكا, فشارك مئات المتظاهرين وهم يرتدون نفس الزي في أعمال شغب في جنوب العاصمة بروكسل احتجاجا على رفع أسعار المحروقات وقام المتظاهرون برمي قوات الشرطة بالزجاجات الحارقة وحطموا السيارات واستخدموا مصابيح الليزر وأجبروا مروحية تابعة للشرطة على الابتعاد وقطعوا الطريق المؤدي للعاصمة وعطلوا سير المركبات والشاحنات.
الأرض مهيأة لانتقال عدوى الفوضى والاضطرابات لتعم أوروبا بأثرها، خصوصا في الدول التي يتصاعد فيها اليمين المتطرف بصورة كبيرة مثل ألمانيا والنمسا والمجر والدول التي تعاني اقتصاديا مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا ودول الكتلة الشرقية المنضمة للاتحاد الأوروبي حديثا, حيث تعاني جميعها من السياسات الاقتصادية المتشددة لبروكسل وإصرار المفوضية الأوروبية على لجم العجز في الميزانيات الأوروبية بأي ثمن, وسوف تعاني أكثر بعد خروج بريطانيا من الاتحاد وفقد مواطنيها تصاريح العمل والإقامة في إنجلترا التي يستفيد منها آلاف الأوروبيين.
هل هي لعنة “الربيع العربي” الذي استغلته أوروبا أسوأ استغلال, فدعمت الفوضى الخلاقة تحت زعم الحرية والليبرالية وحقوق الإنسان, وتورطت دول أوروبية عديدة في أحداث ليبيا ومقتل القذافي طمعا في النفط الليبي, وتمويل المنظمات والجماعات المتورطة في أحداث العنف ونشر الفوضى في تونس ومصر وسوريا؟

محمد عبد الصادق

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق