شؤون عربية

العراق يدفع ثمن التصعيد بين واشنطن وطهران اقتصادياً وأمنياً

بغداد – الخليج أونلاين (خاص)

تعيش الساحة العراقية حالةً من التوتر الأمني والتذبذب الاقتصادي، منذ تصاعد قرع طبول الحرب في منطقة الخليج العربي، وتجييش الولايات المتحدة الأمريكية أساطيلها في مواجهة إيران، ما رفع من احتمالية وقوع حرب بين الجانبين.

ورغم محاولة بغداد النأي بنفسها عن التصعيد، فإنها تجد نفسها وسط المعركة دون إرادة منها، فساحتها حديقة خلفية لإيران، التي رسخت وجودها في عمليتها السياسية وملفاتها الاقتصادية والأمنية، منذ هزيمة الجيش الأمريكي وخروجه من العراق أمام ضربات المقاومة عام 2011.

من ناحية ثانية يرتبط العراق بالجانب الأمريكي، الذي أسس النظام السياسي القائم حالياً عام 2003، بإسقاط نظام حكم حزب البعث 1968 – 2003، وعبر الاتفاقية الأمنية التي وقعت في عهد رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، والتي كبلت العراق بمجموعة اشتراطات وعلى رأسها وجود عسكري راسخ ضمن قواعد تنتشر على مساحات واسعة من الأراضي العراقية.

وبين مطرقة النفوذ الإيراني، وسندان الالتزامات ببنود الاتفاقية الأمنية، يخيم الترقب على الساحة العراقية، في ظل مساعٍ حثيثة تبذلها الحكومة للتوسط بين طرفي الأزمة علها تخرج من المأزق بأقل الخسائر.

تأهب أمني

صاروخ الكاتيوشا الذي سقط على مقربة من السفارة الأمريكية داخل المنطقة الخضراء المحصنة أمنياً في بغداد، يوم 19 مايو 2019، من دون أن يخلف وراءه أي خسائر بشرية أو مادية، والذي سبقه رصد طائرة مسيرة في محيطها، أكد المخاوف الأمريكية التي حملها وزير الخارجية مايك بومبيو، للقادة العراقيين خلال زيارته المفاجئة إلى بغداد يوم 7 مايو 2019، التي أوصل خلالها رسالة واضحة للحكومة العراقية، حذرت من استهداف المصالح الأمريكية، من قبل الجماعات المسلحة الموالية لإيران.

هذا التصعيد دفع الولايات المتحدة إلى تعزيز قواتها الموجودة في محيط بغداد، بحسب مصدر مطلع في وزارة الدفاع العراقية.

وقال المصدر لـ”الخليج أونلاين”: إن “حادثة استهداف السفارة، ورصد الأقمار الصناعية لصواريخ معدة للإطلاق في محيط القواعد الأمريكية، دفع الولايات المتحدة إلى استقدام تعزيزات عسكرية من قواتها المتمركزة في الأراضي الكويتية”.

وأضاف، مفضلاً عدم ذكر اسمه: إن “الاتفاقية الأمنية المبرمة مع واشنطن عام 2011، تتيح للقوات الأمريكية التحرك عبر الحدود العراقية بمختلف الاتجاهات، بالتنسيق مع الجانب العراقي، دون إلزامها بالإفصاح عن ماهية الحمولات والمعدات، أو أعداد الجنود الذين يدخلون أو يخرجون”.

وتابع المصدر: أن “الوزارة رصدت طائرات شحن جوية أقلت جنوداً وأسلحة هبطت في مطاري التاجي على بعد 27 كم شمال بغداد، ومعسكر المطار على بعد 12 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي منها، قادمة من دولة الكويت”.

واستدرك بالقول: إن “التعزيزات وصلت بعد يوم واحد من استهداف السفارة الأمريكية، والراجح أنها استقدمت بغرض تعزيز حماية القواعد الأمريكية”.

وكشف المصدر عن قيام الجانب العراقي بدراسة الأوضاع المستجدة على الساحة الداخلية بعد استهداف السفارة، حيث ناقش مجلس الأمن الوطني برئاسة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، الأربعاء 20 مايو 2019، التحديات التي تفرضها التوترات في المنطقة.

وذكر أن “المجلس قرر وضع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية على أهبة الاستعداد لأي طارئ، ووجه بوضع تأمين إضافي للبعثات الدبلوماسية ومقار سفارات الدول الأجنبية، والمنشآت الحساسة، تحسباً لكل الاحتمالات”.

المصدر أشار إلى أن “خططاً كانت معدة سلفاً من قبل وزارة الدفاع، تهدف إلى سحب قطعات الجيش من المدن الرئيسة في الموصل والأنبار وصلاح الدين، بعد استباب الأمن فيها عقب تحريرها من “داعش”، إلا أن المستجدات على الساحة دفعت مجلس الأمن الوطني إلى تأجيلها لحين اتضاح الأمور”.

تأثر قطاع إنتاج النفط

بعد حالة الانتعاش التي شهدها القطاع النفطي خلال الأعوام الماضية، بوجود الشركات الأجنبية التي حصلت على تراخيص بتطوير الحقول النفطية القائمة، وبناء المصافي، وتطوير عملية استخراج واستغلال الغاز المسال، أعلنت شركة نفط البصرة، يوم الأحد (19 مايو 2019)، أن 30 موظفاً من شركة “أكسون موبيل” الأمريكية، انسحبوا من حقل نفطي في البصرة، باتجاه مكاتب الشركة في دبي، لأسباب أمنية احترازية، وهو ما شكل تهديداً قد يترك أثره على تطوير القطاع.

ثامر الغضبان وزير النفط العراقي، اعتبر أن إجلاء العاملين في الشركة من حقل “غرب القرنة” أمر غير مقبول أو مبرر.

وقال في بيان: إن “انسحاب عدد من العاملين في شركة أكسون موبيل ليست له علاقة إطلاقاً بالوضع الأمني في الحقول النفطية بجنوب العراق أو تهديدات ما، وإنما هو لأسباب سياسية، وكما نعتقد نعزوها إلى حالة التوترات السياسية التي تشهدها المنطقة”.

وأضاف: إن “الانسحاب بالنسبة لنا غير مقبول أو مبرر لأن الشركات العالمية الأخرى تعمل بحرية وأمان واستقرار في تطوير الحقول النفطية، وليست هناك مشاكل أو مبررات تستدعي ذلك، وإن الانسحاب قد يؤدي إلى بث رسائل خاطئة عن الأوضاع في العراق، وهذا ما لا نقبله بتاتاً”.

نزار المطلبي الباحث الاقتصادي في مركز بغداد للدراسات، يرى أن تصريح الوزير العراقي يعكس حالة القلق من انسحاب الشركات الأخرى من الساحة، وهو ما يعني تعثر قطاع إنتاج النفط.

وقال المطلبي لـ”الخليج أونلاين”: إن “شركة أكسون موبيل ليست الوحيدة التي تعمل في القطاع النفطي العراقي، فهناك شركات روسية وأخرى صينية، لكن أكسون هي الشركة الكبرى، وسحبها لموظفيها من العراق سيقدم مؤشراً للشركات الأخرى على وجود تهديدات حقيقية لخبرائها، لكونها شركة أمريكية وتستند في تحركاتها إلى معلومات دقيقة”.

وأضاف: إن “وزارة النفط بذلت جهداً كبيراً خلال الأيام الماضية لطمأنة الشركات الأجنبية إلى عدم وجود مخاوف تهدد أمن العاملين فيها، خشية إعلان شركات أخرى سحب موظفيها”، مشيراً إلى أن “الكفاءات العراقية قادرة على إدارة عمليات الاستخراج والتصدير لكنها تحتاج إلى مهارة الخبراء الأجانب في هذا المجال، التي ساهمت في إنعاش القطاع خلال العامين الماضيين، وهو ما انعكس في ارتفاع حجم الصادرات”.

وأشار المطلبي إلى أن “الجانب الأمريكي سعى لطمأنة الشركات الأجنبية كذلك، إذ ليس من مصلحة الأسواق في هذه المرحلة أن يتراجع الإنتاج العراقي في ظل مساعي واشنطن لتعويض نقص الإمدادات الإيرانية”.

وكان القائم بأعمال السفارة الأمريكية في بغداد جوي هود، أكد أن بلاده “تحرص على عدم تأثر الاقتصاد العراقي بأية أزمة، وتشجيع الآخرين على الاستثمار في العراق ودعم مؤسساته بكافة المجالات”.

وقال في مؤتمر صحفي الأربعاء (22 مايو 2019): إن “الولايات المتحدة أعفت العراق من الحظر على إيران، ويمكنه شراء الطاقة منها”.

ركود في الأسواق

ألقت التوترات الأمنية بظلال ثقيلة على الأسواق العراقية، حيث شهدت حالةً من الركود، بسبب المخاوف من دخول المليشيات في مواجهة مع الجانب الأمريكي، الذي هدد عبر وزير خارجيته بومبيو بالضرب بقوة في حال تعرض مصالح بلاده للخطر.

علاء البلو، صاحب شركة دار السلام للصيرفة في العاصمة العراقية بغداد، أكد لـ”الخليج أونلاين” أن زيارة وزير الخارجية الأمريكي للعراق وتحذيره من استهداف المصالح الأمريكية، تسببا بركود في الحركة التجارية.

وأضاف: إن “احتمال تحول الساحة العراقية إلى ميدان مواجهة جعل التجار في حالة خوف وتردد، خصوصاً أن السوق العراقي يعتمد بشكل كبير على البضائع الإيرانية”.

وتابع البلو: أن “حركة التبضع في الأسواق بموسم رمضان الحالي أقل بكثير بالقياس على الأعوام الماضية، ونحن ندرك هذا الأثر من خلال عملية سحب الدولار من السوق”، مرجعاً ذلك إلى “نذر الحرب التي تثير المخاوف من عودة حالة الانفلات الأمني إلى الشارع؛ التي تعافى منها العراق خلال العامين الماضيين”.

يشار إلى أن وكالة أنباء فارس الإيرانية نقلت في مارس الماضي، عن محمد رضا مودودي، المشرف على منظمة تنمية التجارة الإيرانية، قوله إن حجم التبادل التجاري الحالي بين إيران والعراق يبلغ قرابة 13 مليار دولار سنوياً، ويرتبط 8.5 – 9 مليارات دولار منه بتصدير السلع، والباقي يرتبط بتصدير الخدمات التقنية؛ الهندسية والسياحة والكهرباء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



إغلاق