بقلم رئيس التحرير

الشكل المتغير للحرب واستراتيجيات الصراع في النظام العالمي القادم

الاستاذ . محمد بن سعيد الفطيسي

 

لا يمكن الحديث عن نشوء شكل جديد للتغيير على مستوى النظام العالمي وبنية السياسة الدولية . وبالتالي حدوث تغيير مشابه نتيجة تلك التغيرات والتحولات في البنية او البناء القائم على التطور للنظام العالمي في القرن 21 في ادوات السلطة والصراع والقوة دون الحديث عن تقديم حضاري وتهيئة انسانية لذلك التغيير الشامل . فعندما تصل حضارة من الحضارات الانسانية الى مرحلة النهاية والانهيار فانه لابد ان تعمها الفوضى والصراع سواء كان ذلك على مستوى العلاقات الدولية او الاجتماعية او حتى الاطر القانونية المنظمة لكلا العلاقتين .وليس بالضرورة ان يحدث ذلك الانهيار على شكل دمار شامل او ابادة جماعية ومطلقة .

ولكن يمكن ان يحدث ذلك نتيجة وصول البناء المكون لتلك الحضارة الى درجة الاضطراب والفوضى في مكوناتها الهيكلية السياسية على سبيل المثال بسبب تزاحم القوى الكبرى على السيادة , او بسبب انفلات قوة تلك القوى الكبرى امام قوى اقل منها حجما بسبب تكتلات وتحالفات يراد من وراءها الاطاحة بها. او نتيجة انتشار موجة من التغيير في مستويات الصراع العالمي بسبب مطالب وتحولات القوة والنفوذ والهيمنة , الامر الذي يمكن ان يدفع الى مواجهات وصراعات تؤدي بدورها الى تفتيت الكثير من الدول والانظمة المكونة للنظام القائم .

كذلك يمكن ان يحدث ذلك نتيجة تطور تلك الانظمة السياسية والعسكرية بسبب تطور الافكار والتكنولوجيا المكونة لشكل السيادة الجديدة . كما يحدث اليوم في ظل العولمة والانترنت والثورة التكنولوجية والهندسة الوراثية حيث تتجاوز الصلاحيات القانونية والسيادات الاقليمية لأننا باختصار (  نعيش في اولى مراحل تحول الحدود العالمية – الكوكبية الى فضاء سيادة امبراطورية مفتوحة ورحبة , أي الحضارة العالمية )([1]). وبالتالي يمكننا الحصول على فكرة بسيطة وسهلة عما نحن متجهون اليه . اذا القينا نظرة على الماضي , وكيف تكون النظام العالمي القائم اليوم منذ اتفاقية ويستفاليا في العام 1648م حتى انهيار ابراج التجارة العالمية في العام 2001م . فهذا النوع من المطالعات والقياسات التاريخية يمكن ان تساعدنا على فهم بعض القوى التي ستشكل السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين.

ورغم ان نظام الدول ذات السيادة لا يزال هو النمط المسيطر في العلاقات الدولية ( فان المرء يستطيع البدء بتمييز نمط من المجتمعات المتداخلة ونوع من الادارة يحملان شيئا من الشبه بالوضع الذي كان سائدا قبل ان يصبح نظام الدول ذا طابع رسمي بمعاهدة سلام ويستفاليا , فالاتصالات العابرة للحدود القومية عبر الحدود السياسية كانت نماذج مألوفة في عهد الاقطاع , ولكنها صارت مقيدة على نحو متزايد بنشوء الدول – الامم المركزية . اما الان السيادة اخذة في التغيير , فقبل ثلاثة عقود كانت الاتصالات عابرة للقومية اخذة في التنامي , ولكن المشتركين فيها كانوا اعدادا قليلة نسبيا من الفئات النخبوية المنهمكة في اعمال الشركات المتعددة الجنسيات والمجموعات العلمية والمؤسسات التربوية والاكاديمية , اما الان فان الانترنت بسبب كلفتها المنخفضة اخذة بفتح باب الاتصالات العابرة للقومية امام ملايين كثيرة من الناس)([2])

يضاف الى ذلك ان ما سنجده من خلال تلك القياسات سيؤكد لنا بانه ( ليس امام الحضارات جميعها الا التوجه نحو الامام , حتى وان كان هذا الامام هو نحو تدهورها وسعيها نحو حتفها . لان التدهور ايضا يعد مرحلة متطورة للحضارة , المرحلة التي تبدا فيها الحضارة التالية بوضع اسسها . يعني انتهاء مرحلة  لبدء مرحلة اخرى ,  مثلها مثل الحصان الذي يتسلق الجبل بحمولته , لا امل له الا في الصعود , انه محكوم عليه بالصعود الى الاعلى كي لا يخر صريعا , لان أي توقف لا يعني سوى موته المؤكد . لا مجال اذا للتراجع والعودة الى نقطة البدء , لا مجال للتوقف . ومن اجل الحفاظ على وجوده ليس امامه الا اختيار واحد , وهو الاستمرار في الصعود )([3]). بل وربما في اكثر الاحيان لا يكون امامه في حال كان يحمل بعض الاثقال سوى رميها بشكل كامل وراءه حتى ينقذ نفسه ويعيش.

والمتتبع لجملة التغيرات في بنية النظام العالمي الراهن يجد انها احدثت جملة من المتغيرات الحضارية , خصوصا في الجانب السياسي .والتوجهات الجيوسياسية المعاصرة الكبرى([4]) . التي افرزت بدورها وبشكل اكثر اتساع وكثافة وقوة على رقعة الشطرنج الدولية في القرن 21 العديد من اشكال التحول والتغيير تجاه اساليب واستراتيجيات ادارة توازنات القوة . والنزاع او الصراع الدولي من جهة. خصوصا في جانب الابتكارات العسكرية المتقدمة ” الثورة في الشؤون العسكرية ” وجانب التقدم التكنولوجي في العصر الرقمي ” الثورة السبرانية ” . وكذلك على جانب تبادل التأثير وردود الافعال والمواقف السياسية والعسكرية والامنية الرسمية في ما بين اعضاء المنظومة الدولية ” العلاقات الدولية والسياسات الدولية ” داخل اطار علاقة تغذية راجعة وتبادلية بخصوص تلك الاساليب والاستراتيجيات وجملة المتغيرات والتوجهات المتعلقة بإدارة تلك الصراعات والنزاعات والتوازنات من جهة اخرى .

بمعنى اخر . ان البنية المتغيرة للسياسة العالمية , وتشظي النظام العالمي كنتيجة طبيعية لتراجع المركزية الاميريكية باتجاه تعددية قطبية فضفاضة وربما الاتجاه الى ما يطلق عليه بنظام حكم الكثرة المتوقع تشكله مع بدايات العقد الثالث او الرابع على ابعد تقدير من القرن 21. وما نتج عن ذلك التحول من نتائج سياسية وجيوسياسية خطيرة . كارتفاع سقف مساعي الكثير من الدول في مختلف ارجاء العالم بمختلف اشكالها واحجامها الى البحث عن مصادر القوة والسلطة والنفوذ لسد الفراغ الجيوسياسي الذي احدثه ذلك التراجع , او للبحث لنفسها عن مكان قوي في تلك البيئة الدولية المتشكلة من عشرات الخيارات القاسية للبقاء والمحافظة على السيادة . يضاف الى ذلك السعي الى تامين نفسها من خلال ادوات القوة بمختلف اشكالها بسبب ارتفاع سقف المخاوف من التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية , واقامة تحالفات عسكرية وامنية عابرة للحدود الوطنية لسد ثغرة الضعف المحتمل في قوتها السياسية او العسكرية او الامنية .

بالتالي . دفعت ولا زالت جملة تلك التحولات والتوجهات الكبرى  ( الدول والامم في مثل هذا النظام ان تكون مستعدة لحماية نفسها . دون اهمال حلحلة القيود المفروضة على العمل الاحادي المفترض ان يكون سائدا في التكتلات الامنية ذوات الاطراف المتعددة في ان معا . والذي قد يبدو العالم من خلاله عائدا الى النظام التقليدي القائم على الدول القومية والسيادية . الا ان فوضى النظام التقليدي كان بالمقارنة مستقرا . فقادة الاوطان كانوا عموما قادرين على التحكم بما يجري داخل حدود ادارتهم وعلى الزام بلدانهم بتحالفات معينة بغية التصدي لقوة خصومهم . اما في عالم نظام – التعددية القطبية الفضفاضة وكذلك – نظام حكم الكثرة فثمة عددا اكبر بكثير من (الحبائل السائبة) المتروكة على الغارب ( حرفيا ومجازيا ) القادرة وحدها على احداث الفوضى في النظام . ناسفة باستقرار الحكومات جنبا الى جنب مع الترتيبات الخاصة بالسلام والامن الدوليين)([5])

على ضوء ما سبق. يمكن التأكيد على ان تلك المتغيرات وتلك التحولات المتسارعة كما وكيفا في النظام العالمي سالف الذكر. جعلت منه نظاما ميالا اكثر من السابق  للحرب والصراع. صحيح ان تلك الاشكال الجديدة للصراع لا تدور بشكل مؤكد في سياق الحرب المباشرة . او مواجهات الجميع ضد الجميع ” الحروب العالمية او الشاملة “. بقدر ما ستتوجه نحو صراعات الحدود الجغرافية المتقاربة . او حول بقع جغرافية متباعدة تتنازعها المصالح الجيوسياسية المتضاربة بين بعض الاطراف الدولية . نظرا لهشاشة الصداقات والخصومات وسرعة تقلبها في هذا النظام , وهو ما يمكن ان يطلق عليه بطابع الشكل المتغير للحرب في القرن 21.

في جانب اخر . فان ادوات الصراع وساحات المعارك في هذا النظام المتشكل .واساليبه السياسية والامنية والعسكرية ستختلف بشكل كبير وجذري. حيث سيغلب عليها الطابع التكنولوجي والفني خصوصا ذلك الذي يتعامل مع العالم الافتراضي. وكذلك استراتيجيات الردع والاحتواء المتقدم تحت شعارات وشماعات الامن القومي والتدخل الانساني قبل التفكير باي عملية هجومية مباشرة على الخصوم . يضاف الى ذلك .سيتم الاستعاضة والاستغناء عن الكم بالكيف والنوع بشكل كبير جدا في الكثير من مجالات وادوات الصراع والحرب. يضاف الى ذلك ان امتلاك تلك الادوات لن ينحصر على الدول والانظمة السياسية الحكومية . والتي يفترض انها بدأت منذ وقت طويل في امتلاك تلك الاوراق الرابحة . بل سيمتد للأفراد والمنظمات غير الحكومية . خصوصا المنظمات الارهابية . والتي سيرتفع سقف تدخلاتها وقدرتها كفاعلين ومؤثرين في هذا النظام بشكل كبير . وبمعنى اخر ان تلك الاوراق الرابحة ستمكن الضحايا والمعتدين . المدنيين والعسكريين في ساحات ذلك الصراع على حد سواء من امتلاك القوة والقدرة والكفاءة سواء في مجال الدفاع او الهجوم او الردع.

مع التأكيد على ان تلك الادوات المتقدمة والحديثة في ( الساحة الافتراضية ) لن تتمكن من الغاء الدور البشري او الجانب الفيزيائي في عمليات الصراع او الحروب القادمة .( فعندما يتصاعد نزاع ما ويتحول الى حرب مسلحة في المستقبل . سيجد المشاركون فيه ان ساحة المعركة قد باتت مختلفة تماما عما كانت عليه في الماضي. و- لكن – لن يغير فتح الجبهة الافتراضية للحرب حقيقة انه مهما تطورت الاسلحة والجنود , فسيكون عليها العمل في العالم الفيزيائي , ولن تستغني عن الدور الاساسي للتوجيه واتخاذ القرار البشريين. اما الجيوش التي لا تأخذ هذه الظاهرة مزدوجة العوالم ( ومسؤولياتها في كلا العالمين ) في الحسبان . فستجد ان التقانة الجديدة التي تجعلها ماكينات قتل اكثر فعالية. تجلب عليها الكراهية والتشهير ايضا , مما يجعل مشكلة كسب العقول والقلوب اصعب بكثير)([6])

التركيز في اطار التغيير القادم للشكل المتغير لساحات المعارك والادوات والوسائل المستخدمة في الصراع وحروب المستقبل والتي لابد ان يعيها المنظر والمقرر العسكري والامني والسياسي الاستراتيجي . والتي يمكن استنتاجها مما يدور اليوم على رقعة الشطرنج العالمية , في ظل تسارع تلك المتغيرات والتوجهات الكبرى في النظام العالمي المتشكل من تعددية قطبية فضفاضة او نظام حكم الكثرة ([7]). ستدور حول الجوانب التالية:-

اولا : سيرتفع سقف التحركات احادية الجانب للعديد من الدول دون اعتبارات لحجمها في مواجهة من تعتبرهم خصومها . وكذلك دون مراعاة للقوانين الدولية او الاعتبارات الانسانية نظرا لوجود الامكانيات التكنولوجية المتقدمة لديها بسبب وجود المال والثروة .

ونحن هنا لا نتحدث عن الدول الكبرى او القارية فقط , بل حتى تلك الدويلات والقوى ذات الاحجام الصغيرة  حيث ستبذل جهدها لتعويض ضعفها العسكري عبر العالم الفيزيائي بتشكيل تحالفات عسكرية وامنية افتراضية عابرة للحدود الوطنية بهدف صناعة التوازنات وامتلاك القوة واسلحة الردع او الهجوم . مع التأكيد على ان تلك التحالفات ليس بالضرورة ان تكون بمشاركة دول وحكومات .  بل يمكن ان تعتمد فيها على شبكات ومنظمات ارهابية عابرة للحدود الوطنية . او خصوم افتراضيين قادرين على موازنة الصراع عبر شبكات التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية .

ثانيا : سيرتفع سقف التسلح النوعي على حساب الكمي. فعلى سبيل المثال ستنتشر الاسلحة التي تحمل اكثر من راس نووي كبديل لكثرة الصواريخ التي تحمل راس مفرد .وكذلك الاسلحة المتقدمة كالأسلحة الكهرومغناطيسية على سبيل المثال لا الحصر .  كما ستتوجه اغلب الدول الى اسلحة الردع والاحتواء على حساب اسلحة الهجوم . حيث سيبدأ عصر جديد من هيمنة الاسلحة المضادة والتي ستمكن الدول من موازنة قوتها وكبح التهديدات الموجهة اليها مسبقا . بالرغم مما يحمله هذا التوجه من مخاطر شديدة , حيث يمكن ان ينتج عن ذلك بعض الاخطاء والانفعالات التي سينتج عنها حروب مدمرة , او بسبب امتلاك الافراد والتنظيمات الارهابية تلك الاسلحة النوعية .

ثالثا: ستمكن التكنلوجيا الحديثة من انتقال السلطة الى الافراد والمدنيين ” المواطن العالمي” في ” دولة افتراضية “. فالمشهد ( الراهن لآثار الثورة الصناعية الثالثة على واقع الأنظمة السياسية والحكومات المركزية القائمة لا يزال في مراحله الأولى، إلا ان الواضح من آثاره تلك على الواقع السياسي لتلك الحكومات والأنظمة في مختلف أرجاء العالم، يكفي للتأكيد على أننا مقبلون على مرحلة عالمية جديدة حول طبيعة القوة والسياسة في القرن الحادي والعشرين، ستشكل فيها تلك التطورات التكنولوجية وثورة المعلومات والانترنت في العصر الرقمي أحد أبرز عوامل القوة السياسية – والعسكرية والامنية – من جهة، وعناصر ضعف الدول والحكومات من جهة أخرى)([8]) فوجود كل هذه الاعداد من البشر المتصلين بالعالم الافتراضي سيكشف لاحقا عن قوة جديدة للأفراد والمخترقين الارهابيين بغض النظر عن توجهاتهم حيث ( ستقف الطبيعة الضوضائية للعالم الافتراضي حجر عثرة امام قدرة امن الدول على مواكبة الفعالية الثورية وسحقها… كما سيغير انتشار الاتصالات من نظرتنا الى المجموعات المعارضة في المستقبل وستغير وفرة المشاركين في الميدان الافتراضي مشهد النشطاء تغييرا جذريا )([9])

رابعا: سيتم الاعتماد بشكل رئيسي على التكنولوجيا المتقدمة في صراعات ونزاعات المستقبل . خصوصا ( الادوات والتقنيات السبرانية) في العالم الافتراضي او حتى الفيزيائي . والتي ستهدف بشكل رئيسي على التعرف على ما يملكه الخصم عبر التجسس عليه دون مراعاة لأي نوع من الاعتبارات الاخلاقية والانسانية او الجوارية. بالتالي فان المعلومات الاستراتيجية والقدرات الاستخباراتية والاقمار الصناعية المتعلقة بالتجسس ستكون العامل الابرز في حروب المستقبل .ومن ثم السعي الى شل حركة الخصم وقوته عبر نشر تلك الفيروسات الفتاكة في جسده الافتراضي , او عبر اطلاق شبكة متكاملة من ادوات الحرب النفسية ونشر القلاقل والثورات والانقلابات والمشاكل العابرة للحدود الوطنية وتأجيج الشعوب على حكوماتها عبر نشر معلومات مغلوطة او كشف حقائق خفية او فضح تلك الحكومات عبر نشر بعض السلوكيات والتصرفات والقرارات الفاسدة , ومن ابرز الامثلة على ذلك كانت وثائق ويكيليكس .

خامسا: طبيعة الامن العسكري اخذة في التغيير . حيث سيرتفع سقف العمليات الارهابية المستخدمة وممارسة الارهاب عبر العالم الافتراضي او باستخدام ادوات تكنولوجية متقدمة والتي ستستخدم ادوات وشبكات العالم الافتراضي, سواء كانت موجهه الى دول او الى افراد ومنظمات رغم ذلك فان تقانات الاتصالات ستجعل اولئك الارهابيين اقل حصانة من أي وقت سابق . وستنتشر الاجهزة الارهابية المنزلية او تلك التي يمكن شراءها من اقرب المحلات التجارية الصغيرة على ارصفة الشوارع من قبل الاطفال.

وقد ( يكون المهاجمون اليوم حكومات او مجموعات او افراد او خليطا من نوع ما , وقد يكونون مجهولين , بل وقد لا يقتربون حتى من البلد , ففي العام 1998م اشتكت واشنطن على سبعة عناوين موسكوفية على الانترنت متورطة في سرقة اسرار البنتاغون ووكالة الفضاء الوطنية الاميركية , ردت الحكومة الروسية بان ارقام الهواتف التي جاءت منها الهجمات كانت غير شغالة , فلم تكن لدينا أي طريقة لمعرفة ما اذا كانت الحكومة متورطة في هذا الامر ام لا , وهناك اكثر من ثلاثين امة طورت برامج كومبيوتر عدوانية حربية , ولكن كما يعرف أي شخص يملك جهاز كومبيوتر , فان في وسع أي شخص ان يدخل هذه اللعبة ايضا , فمن خلال بضع شربات على المفاتيح يقوم بها مصدر مجهول في أي مكان من العالم , يمكن الدخول الى شبكات القوة الخاصة التي تغذي المدن الاميركية وممارسة التخريب والتشويش عليها , او الى الانظمة العامة للاستجابة لحالات الطوارئ )([10])

سادسا : التغيير والتطور في ابعاد العولمة العسكرية : لا يمكن ان تتسع السطور القادمة للتطرق الى تفاصيل هذا التغيير المؤكد في ابعاد العولمة العسكرية خلال العقود القادمة من القرن الحادي والعشرين , الا ان تركيزنا الرئيسي سيكون حول موضوع محفزات التدخل كمقدمة للحروب وتغيير الخرائط الدولية , عبر ما يطلق عليه حماية الامن القومي او التدخل الانساني . وهو اجراء تقوم به دولة او اكثر ضد حكومة دولة اخرى بغية انهاء مخالفات وخروقات تقترفها هذه الاخيرة لقوانين الانسانية او بسبب شماعات انتهاكات دولة او جماعة لأمنها القومي , ما يجعلها تقوم بالتدخل في تلك الدولة .

ويحدث هذا الامر في العادة حينما ( تحدث تغيرات في موازين القوى وتتعاظم قوة دولة وتنكمش قوة دولة اخرى , نتيجة للتطورات الاقتصادية والسياسية , وغالبا ما تحدث التغيرات نتيجة الحروب الكبيرة كما حدث خلال الحربين العالميتين , وفي حالات اخرى انهيار احدى الدول نتيجة الضغوط الخارجية او بسبب مشاكلها الداخلية كما حدث مع الاتحاد السوفيتي . بعد هذه التغيرات يظهر فراغ القوة في اماكن متعددة , ولا سيما في المناطق التي كانت تسيطر عليها القوة المنهارة , وكثيرا ما يشكل التدخل الاخلاقي , أي استخدام مفاهيم اخلاقية في هذه المناطق – او عبر استخدام شماعات الامن القومي او حماية النظام الدولي او القضاء على اعداء وخصوم ارهابيين مفتعلين – خطوة اولى على طريق الاعداد للتدخل العسكري )([11])

وهنا يلاحظ ان ابعاد العولمة العسكرية اصبحت اكثر تعقيدا من ذي قبل . فبالرغم من ان ( الحرب الباردة جاءت بإلغاء العولمة العسكرية . أي النزاعات البعيدة بين القوى الكبرى ….الا ان الزيادة في العولمة الاجتماعية على مدى عقود مضت كان لها تأثير معاكس , فقد ادخلت ابعادا جديدة للعولمة العسكرية : التدخل الانساني , الارهاب , ذلك ان الاهتمامات الانسانية المتفاعلة مع الاتصالات الدولية قد ادت الى ضغوط من اجل التدخل العسكري في اماكن كثيرة حول العالم مثل الصومال والبوسنة والهرسك – بل ويمكن ان يصل الامر في بعض الاوقات الى تعميم استخدام تعاليم القوة – فمن اجل استنباط استراتيجية لمواجهة الولايات المتحدة , اقترح بعض المسؤولين الصينيين من المستوى المتوسط استخدام الارهاب وتهريب المخدرات ودهورة البيئة ونشر فيروسات الكومبيوتر – وجادلوا بانه كلما زاد تعقيد الخليط – أي استخدام الاهاب والحرب الاعلامية والحروب المالية – كلما كانت النتائج افضل ) ([12])

اذا وباختصار سيتجه النظام العالمي في العقود القادمة من القرن الحادي والعشرين نحو اشكال جديدة وادوات حديثة للصراع والحروب وامتلاك القوة , سيختزل فيها الكم بالكيف والنوع , وستتحرك الدول احاديا لتحقيق اهدافها الجيوسياسية والاستراتيجية على رقعة الشطرنج الدولية رغم التكاليف الباهظة لهذا التصرف على الصعيد القانوني والانساني , وستتوزع القوة بين الدول والافراد عبر وسائل واساليب عصرية متقدمة , قليلة الكلفة ولكنها في ذات القوة مؤثرة بشكل كبير في النظام والنفوذ والسلطة , كما ستتغير طبيعة الامن العسكري والقومي وابعاد العولمة العسكرية في ظل النظام العالمي القادم .

[1] – مايكل هاردت , وانطونيوس نيغري, الامبراطورية – امبراطورية العولمة الجديدة – ترجمة : فاضل جتكر , مطبعة العبيكان , ط1/2002 

[2]– جوزيف س.ناي (الابن) , مفارقة القوة الاميركية – لماذا لا تستطيع القوة العظمى الوحيدة في العالم اليوم ان تنفرد في ممارس قوتها ؟- ترجمة : محمد توفيق البجيرمي , مكتبة العبيكان , السعودية / الرياض , ط1/2003م ,

 

[3] – عزيز السيد جاسم . تأملات في الحضارة والاغتراب , دار الشؤون الثقافية العامية (افاق عربية) العراق/ بغداد , ط1/1986م ص 39

[4] – انظر في تلك التوجهات الكبرى . محمد سعيد الفطيسي , ستة توجهات كبرى ستؤثر في مستقبل السياسة الدولية في القرن 21 , مركز بيروت لدراسات الشرق الاوسط , www.beirutme.com , بتاريخ 11/اغسطس/2017م

[5] – سيوم براون , وهم التحكم – القوة والسياسة الخارجية في القرن الحادي والعشرين , ترجمة فاضل جتكر , ظ1/2004م . 

[6] – اريك شميدت وجاريد كوين , العصر الرقمي الجديد – إعادة تشكيل مستقبل الأفراد والأمم والأعمال , ترجمة :احمد حيدر , الدار العربية للعلوم/بيروت , ط1/2013م. 

[7] – انظر في هذا السياق . محمد بن سعيد الفطيسي , العالم على تخوم نظام حكم الكثرة ( البولياركي Polyarchy ), صحيفة الوطن العمانية , www.alwatan.com   , بتاريخ 27/ 4 / 2015م

[8] – انظر بشكل اشمل. محمد بن سعيد الفطيسي. السيادة الوطنية فـي عصر الجغرافيا الافتراضية , صحيفة الوطن العمانية . بتاريخ 8/فبراير/2016م. www.alwatan.com   

[9] – اريك شميدت وجاريد كوين , العصر الرقمي الجديد – إعادة تشكيل مستقبل الأفراد والأمم والأعمال , ترجمة :احمد حيدر , الدار العربية للعلوم/بيروت , ط1/2013م. 

[10] – جيمس ادامز ,الدفاع الافتراضي ,مجلة فورين أفيرز الأمريكية.عدد مايو يونيو / 2001م , ص 98

[11] – مايكل هاردت , وانطونيوس نيغري, الامبراطورية – امبراطورية العولمة الجديدة – ترجمة : فاضل جتكر , مطبعة العبيكان , ط1/2002 

[12] -الصين تفكر في قواعد جديدة لحرب بلا قيود , الواشنطن بوست , عدد 8/اغسطس / 1999م ,

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق