بقلم رئيس التحرير

السياسة الخارجية العمانية (مثالية الرسالة وواقعية السياسية)

لا مفر من الاعتراف بان رسم توجهات ومرئيات السياسة الخارجية لبلد ما كما تصورها النظرية الواقعية يقوم على المصالح المادية البحته , وهو امر صحي الى حد بعيد عندما يتعلق الامر بإدارة الشؤون الخارجية للدولة في عالم تتنازعه المصالح السياسية , فلا يمكن ان تدار السياسة الخارجية عبر الاندفاعات العاطفية والمثالية الخالصة , ولكن ذلك كذلك لا يمكن ان ينزع النظرة الانسانية او القيم الاخلاقية من السلوك السياسي . ( فالمصالح الانسانية هامة ايضا لحياتنا ولسياستنا الخارجية . رغم انه من المؤكد ان المصالح الوطنية الاستراتيجية حيوية وتستحق الاولوية , لأننا اذا فشلنا في حمايتها فان بقاءنا نفسه يصبح عرضة للخطر )([1])

على ضوء ذلك تمكنت السياسة الخارجية العمانية ( بطريقة هادئة وعقلانية من اذابة مفاهيم واقعية النظرة السياسية التي تحركها المصالح البحتة في العلاقات الدولية في أطر اخلاقية باتجاه مثالية ايجابية قادرة على تحقيق مصالح عالمية كحقوق الانسان والديموقراطية وصناعة توازن بين مصالحها ومصالح بقية اعضاء المجموعة الدولية ,وتعد هذه القيم والمقاصد الاخلاقية والمصالح الانسانية والنظرة الى السياسة الخارجية والعلاقات الدولية بين الدول من خلال تبني مبادئ ونظريات قائمة على المثالية الايجابية وموائمة بين الاخلاق السياسية والمصالح الوطنية جزء لا يتجزأ من اسس وموجهات السياسة الخارجية العمانية التي رسم خطوطها العريضة مؤسس الدولة العمانية الحديثة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – منذ العام 1972م )

اذا ( ينطوي التصرف الاخلاقي على وعي مصالح الاخرين والتحلي بالحساسية ازاءها – غير ان نكران الذات ليس الزاميا . فثمة ظروف قد يشعر فيها الافراد بانهم مدفعون الى التضحية بالذات , غير ان مثل هذا السلوك يبقى بنظر اكثر الشرائع الاخلاقية “نافلا” اي شيئا يحسن فعله . ولكن الامتناع عنه ليس خطأ, وسيبقى الشيء الذي يصح عمله في الغالب , وربما في العادة منطويا على عدم السعي وراء المصالح الذاتية الى الحدود القصوى , ولكنه لن ينطوي الا في اكثر الظروف استثنائية على تجاهل تلك المصالح كليا ما لم تكن مخترعة بوضوح لهذا الغرض )([2]) فالبقاء , او اعلاء المصالح الوطنية العليا هو الشرط اللازم للسياسة الخارجية العمانية ولكنه يجب ان لا يكون كل شي فيها .

وفي هذا السياق , نضرب مثالا على ذلك مبدا الحياد في السياسة الخارجية العمانية , لنوضح ان ذلك لا يعني الحياد المطلق , فهذا الاخير ليس الا سلبية تتنافى وواقعية السياسية الخارجية وادارة شؤون الحكم عبر مختلف العصور , فلابد ان يكون لسياسة بلد ما تحيز لمصالحها في نهاية المطاف وهو ما يؤكده حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – بقوله ان ( عمان حضرت مؤتمر عدم الانحياز وساهمت فيه , وعمان تحبذ الحياد …… ولكن اعيد كلمة قلتها قبل قليل . بان لكل واحد اصدقاء )([3])

على ضوء ذلك تبقى السياسة الخارجية السليمة هي تلك السياسة التي تحكم فيها النظرة الواقعية خيارات السلوك السياسي وتوجهات الدولة الخارجية , في وقت تبقى فيه حاكمية المبادئ الانسانية والاخلاقية روح تلك السياسية التي تنتزع منها سيادة الانا ووحشية المصالح , وتعكس فيها رسالة خاصة لشخصية الامة والقيادة والشعب , ومن هذا الفكر السياسي العميق تتحدد بعض تلك الملامح الانسانية والابعاد الاخلاقية لموجهات الفكر السياسي للسياسية الخارجية العمانية . وهو ما أكده جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – بقوله ( إننا شعب مسلم يعتز بإسلامه وإيمانه , ولذا نضع ديننا فوق كل اعتبار ونستلهم من رسالة المسجد ما ينير طريق حياتنا , ويضيء درب تقدمنا ) ([4])

وفي حديث لجلالته مع دورية ميدل ايست بوليسي الأمريكية   قال له مراسل المجلة : ( تَعَرَّضْتَ في بياناتِك العامة إلى قضية التطرف السياسي.. كيف تُقيِّم الخطر المحتمل للحركات المتطرفة في العالم العربي والخليج على وجه التحديد؟ فأجاب جلالته: لا أعتقدُ أنني أستطيع أن أفعل شيئا في ذلك أفضل من إحالتك إلى الخطاب الأخير الذي ألقيته على شعبي بمناسبة العيد الوطني السابق، إنَّ التطرف – مهما كان شكله – يجب أن يُنبذ ويُرفَض بشدة من قِبَل الناس الواعين والعقلاء.. فعلى الجميع أن يلتزم بالأحكام الواضحة للدين والقانون بعيدًا عن التحريف والتشويه وعند فعل ذلك وعن الالتزام ومراعاة المبادئ المجربة والراسخة التي تُعلِّم الإنسان العيش في ظلها فإننا نستطيع جميعا أن نسلك طريق الإنسانية والفطرة السليمة والتقدم وهذا ينطبق على العالم العربي وأي مكان آخر. وإنني على ثقة من أنّ شعوب العالم العربي لو وضعت ذلك في ذهنها ولو اعترضت وقاومت بشدة حجج وخداع الذين يريدون تحريف وتشويه ديننا لتحقيق غايات سياسية.. عندها لن يفلح ذلك الخطر أبدًا )([5])

وبتصوري ان المكاسب السياسية والدبلوماسية التي حققتها السياسة الخارجية العمانية حتى الآن جراء تبني هذا البعد الانساني , خصوصا على صعيد الأمن القومي لسلطنة عمان بشقيه الداخلي والخارجي كانت كبيرة وكثيرة , يكفي انها جنبت الدولة العمانية انعكاسات المخاطر والتهديدات السياسية والامنية العابرة للحدود الوطنية كالصراعات والتدخلات السياسية وتهديدات الإرهاب والتنظيمات الارهابية , وهو ما اكدته التقارير الدولية منذ العام 2014- 2018م  بحصول السلطنة على المؤشر صفر في قضايا الارهاب .

 

(*) بتصرف , نقلا عن كتاب التوجهات الكبرى في بنية النظام العالمي , الصادر لي في العام 2018م , منشورات مكتبة الضامري , سلطنة عمان

[1] – جوزيف س.ناي (الابن) , جيمس وولزي , منظور على الارهاب , صحيفة لوس أنجلوس تايمز , بتاريخ 1/يونيو/1997م

[2] – كارن أي .سميث ومارغوت لايت , الاخلاق والسياسية الخارجية .

[3] – جريدة عمان العمانية – أول مؤتمر صحفي للصحافة المحلية مع جلالة السلطان قابوس , بتاريخ 1/يونيو/1974م , س2

[4] – كلمات وخطب حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم , اصدار وزارة الاعلام ,2015

[5]دورية ميدل ايست بوليسي الأمريكية بتاريخ 30/4/1995م . نقلا عن : ناصر أبو عون , مواجهة الإرهاب الدولي بين نظرية السلطان قابوس وخطة أوباما , موقع صحيفة أثير العمانية , www.atheer.om  بتاريخ 14-9-2014 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق