بقلم رئيس التحرير

الدور العماني في تامين الملاحة بمضيق هرمز

الاستاذ .محمد بن سعيد الفطيسي - رئيس التحرير

تقوم سلطنة عمان ممثلة بالمؤسسات ذات الاختصاص والتداخل بتامين الملاحة في مناطق السيادة و النفوذ العماني وعلى راسها البحرية السلطانية في مختلف مناطق السيادة الوطنية العمانية بكل مهنية , ومن ضمنها الملاحة في مضيق هرمز , والذي هو جزء لا يتجزأ من المياه الاقليمية العمانية , وقد اكد حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ” اعزه الله وحفظه ” على هذا الدور بقوله :- ايها المواطنون. ( لا شك انكم سمعتم الكثير عما قيل بشأن اهمية مضيق هرمز الذي هو جزء من مياهنا الإقليمية… لذلك فإن عمان تعهدت بالدفاع عن حق جميع السفن المسالمة بالمرور عبر هذا المضيق , وهذا واجب علينا وفقا للقانون الدولي …. فإذا تعرض المضيق للخطر فإننا في عمان لن نتردد في الدفاع عن سيادتنا الوطنية وسلامة الملاحة الدولية )( )
و( باستثناء حق المرور العابر فان المضيق يخضع كليا لما تخضع له باقي المجالات البحرية العمانية – نظرا لوقوع الممرات البحرية في المياه الاقليمية العمانية – بحيث تمارس سلطنة عمان سيادتها على المجالات البحرية العائدة لها وعلى القاع وما تحت القاع وعلى الحيز الجوي الواقع فوق هذه المجالات ) ( ) طبعا دون مساس هذه السيادة بحقوق بقية الدول في المرور العابر , وهو ما قامت به الدولة العمانية طيلة عقود في هذه البقعة الهامة والحساسة جدا من رقعة الشطرنج الدولية , والتي تعتبر بمثابة عنق الزجاجة لمرور نسبة كبيرة من النفط الدولي.
ولله الحمد كان للدور العماني الهام والبارز الفضل الكبير في استقرار الامن البحري في منطقة تعد الاكثر سخونة وفوضى على المستوى الدولي وهي منطقة الشرق الاوسط , حيث لم يقتصر هذا الدور على الجانب الامني والعسكري بل تعداه الى ما هو ابعد من ذلك بكثير , وهو الدور السياسي والدبلوماسي الذي كان له سبق التقدم في احلال السلام والامن والاستقرار في هذه المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي , عبر العديد من المبادرات والمقترحات والمشاريع المتعلقة بتامين الملاحة في عموم المنطقة وفي مضيق هرمز خصوصا .
فأما عن الجانب الامني والعسكري فقد لعبت البحرية السلطانية العمانية والجهات ذات الصلة والاختصاص والتداخل بالأمن البحري ذلك الدور القيادي الايجابي عبر انشطة ومهام غاية في الاهمية يقع على راسها ( تامين الامن والاستقرار في البحر الإقليمي والمياه الاقتصادية الخالصة، فهي تقوم بأدوار رئيسية في مجال الأمن البحري من خلال تنفيذها لدوريات استطلاع على طول الشريط الساحلي وفي البحار الإقليمية العمانية والمنطقة الاقتصادية الخالصة , وكذلك القيام بدوريات مختلفة لرصد أية أنشطة غير مشروعة، وضبط أية أهداف مشبوهة بالمنطقة، واتخاذ كافة التدابير اللازمة لحماية البحار الاقليمية العمانية والمنطقة الاقتصادية الخالصة والموانئ والمنشآت البحرية. وكذلك تفتيش السفن عند الاشتباه بها وفقا للقواعد المتعارف عليها دوليا , اضف الى ذاك مكافحة الهجرة غير المشروعة (التسلل)، الجريمة المنظمة والتجارة غير المشروعة وأنشطة التهريب، القرصنة البحرية، الإرهاب البحري، الصيد غير القانوني / الصيد الجائر، تلوث البيئة البحرية، الأزمات والنزاعات العسكرية، التغير المناخي، إعاقة طرق الملاحة الدولية، من أجل تأمين حرية الملاحة في البحار الاقليمية العُمانية)( )
اما في ما يتعلق بالجانب السياسي والدبلوماسي فلم يكن اقل من الدور الامني والعسكري , بل كان موازيا وداعما له وبكل قيادية ومبادرة , فقد لعبت السياسة الخارجية العمانية دور غاية في الاحتراف والمهنية المعهودة خصوصا في ما يتعلق بالمحافظة على المبادئ الامنية الموجهة للسياسة الخارجية العمانية عبر ترسيخ اسس الرؤية العمانية لأمن الخليج العربي خصوصا والمنطقة بوجه عام , والاهم من ذلك تلك الآراء والمقترحات السياسية والامنية التي طرحتها في وقتها بهدف تحقيق ذلك , اي امن الملاحة في منطقة الخليج , والتي لو تم تنفيذها في حينها , لكان لها الدور الحاسم والمانع للعديد من العقبات والمشاكل التي تعاني منها الملاحة في وقتنا الراهن , خصوصا جانب التدخلات الدولية عبر شماعة حماية الامن البحري الخليجي من جهة , والمحافظة على خطوط الملاحة والمصالح النفطية للدول الكبرى في المنطقة من خطر الارهاب والقرصنة.
فقد قامت الرؤية العمانية لآمن الخليج العربي على اسس مهنية بحته تم فيها مراعاة العمومية وترسيخ اسس الامن القومي العربي وتحقيق القدرة الدفاعية المتقدمة والتفكير الاستشرافي المستقبلي للدول الخليجية , ومن ابرز تلك الاسس : التنسيق والتعاون من جهة وايجاد اكبر مساحة ممكنة من التفاهم والتعاون والاستقلالية بين دول الخليج من جهة اخرى عبر تلك المبادرات والمقترحات العمانية المطروحة لتحقيق ذلك .
ومن ابرز الادلة والبراهين التاريخية على الدور العماني الايجابي في هذا الاتجاه , اقصد المحافظة على امن وسلامة واستقرار الملاحة في منطقة الخليج العربي عموما , ومضيق هرمز خصوصا وكذلك تأكيد سلطنة عمان على دورها السيادي ورفضها للتدخلات الدولية في امن المنطقة , وفي ما يتعلق بهذه القضية على وجه الخصوص طرحها العديد من المبادرات والمقترحات الامنية والسياسية والتي – للأسف الشديد – لم تجد لأغلبها قبول من دول الخليج العربية في ذلك الوقت , ومن ابرز تلك المواقف والمبادرات العمانية ( ان سلطنة عمان وفي العام 1976 طرحت فكرة اقامة قوة عسكرية خليجية تسهم فيها الدول الخليجية مع حرية كل دولة في اختيار نظامها السياسي والاجتماعي والتعاون في ما بينها ) ( )
ولا ننسى ما طرحته عمان كذلك في العام 1979 كمشروع فني لتامين الملاحة في مضيق هرمز , و( الذي أطلق عليه بالمشروع التقني العماني , والذي يقترح الحصول على كاسحات ألغام وقوارب خفر ساحلية وطائرات استطلاع ومعدات اكتشاف الكترونية )( ) كما ( تقدمت سلطنة عمان بمشروع لمد خط نفط استراتيجي يربط حقول النفط في شمال الخليج ابتداء من حقول نفط الكويت وصولا الى خليج عمان عبر الاراضي العماني غير ان هذا المشروع لم ينفذ )( ) يضاف الى ذلك رفض سلطنة عمان كل مقترحات بريجينيف بشان امن الخليج والتي اعتبرتها بمثابة اعتراف رسمي بوجود قواعد سوفيتية في المنطقة ومحاولة للتدخل في الشؤون الخليجية .وكذلك شكلا من اشكال الاستعمار والاحتلال الغربي للمنطقة .
جانب اخر وهو ان سلطنة عمان لم تكن ولن تساوم حول هذا الدور او تزايد عليه او تعمل وفق مجاملات سياسية لدول كما يدعي بعض الجهلة بالتاريخ السياسي , بل كانت تعمل وفق قيم سياسية ومبادئ امنية وطنية راسخة على راسها ان سيادتها وامنها الوطني فوق كل الاعتبارات والتحالفات , وان سيادتها ليست مجالا للمساومة مع احد كما سبق الاشارة بل هي اولوية قصوى , وهو ذات النهج حول رؤيتها الى امن الخليج العربي عبر بوابة مضيق هرمز والتي تقع تحت السيادة العمانية , وقد اكد على ذلك جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ” حفظه الله ورعاه في اكثر من محفل ومناسبة وموقف سياسي عربي وقومي , والتاريخ شاهد على تلك المواقف العمانية , وليس اكثر من شواهد التاريخ دليل على ذلك لمن اراد النظر بعين الانصاف لنفسه قبل غيره .

1 – خطاب جلالة السلطان بمناسبة العيد الوطني التاسع بتاريخ 18 / 11 / 1979م
2 – ياسر عبدالله السلامي , الوضع القانوني لمضيق هرمز في ضوء قواعد القانون الدولي الجديد للبحار , اطرحه جامعية في القانون , الجامعة الاردنية , عام 1990م
3- مهام وأدوار البحرية السلطانية العمانية في عمليات الأمن البحري , موقع مركز الامن البحري العماني , تاريخ الدخول :10 / 8 / 2019م , رابط الموقع :http://www.mod.gov.om/ar-OM/MSC/Pages/navy.aspx
4 – سجل العالم العربي – وثائق لأحداث واراء دار الابحاث للنشر , بيروت / لبنان , بدون ” / 1975م
5 – لمزيد من التفاصيل انظر :- محمد بن سعيد الفطيسي , التوجهات الكبرى في بنية النظام العالمي وتأثيرها على المبادئ الامنية الموجهة للسياسة الخارجية العمانية , مكتبة الضامري للنشر والتوزيع , السيب / سلطنة عمان , ط1 / 2018, ص 197 , كذاك : خليل الياس مراد , حرب الخليج وانعكاساتها على الامن القومي العربي , دار الحرية للطباعة والنشر , بغداد/ العراق , بدون ط / 1987
6 – د. علي بن احمد العيسائي , ازمة الملاحة والمرور في مضيق هرمز , مكتبة الضامري للنشر والتوزيع , السيب / سلطنة عمان , ط1 / 2014م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



إغلاق