الدراسات والبحوث

التوجـه الخليجي نحو أفريقيا .. نفوذ وعلاقات اقتصادية

أيمن الفيصل

 

يُعدُّ الاستثمار في رؤوس الأموال خارج الحدود أحد أهم السمات التجارية لدول الخليج، إذ تعمل بعض الدول الخليجية (السعودية، والإمارات، وقطر، وسلطنة عُمان) -منذ مدة ليست بالقصيرة- على تعظيم عائداتها في الأسواق الخارجية الناشئة، تارةً عبر ما يخص الاستثمارات في مجالات (الغاز، والطاقة، والاستخراجات، والتنقيب)، وأخرى عبر الشركات العقارية وشركات النقل البحري والمؤسسات الصناعية، وغيرها من الاستثمارات التي تعود بالنفع على اقتصاديات هذه البلدان، وتعمل البلدان الخليجية في بعض الأحيان على إدارة المشاريع خارج حدودها بتوقيع عقود استثمارية مع تلك البلدان عبر إدارة المشروع وتشغيله، وتطوير البنى التحتية له، وتدريب ملاكاته مقابل نسب أرباح متفق عليها ضمن تلك العقود أو الاتفاقيات الاقتصادية بينهما، ويعد هذا تعزيزاً لدول الخليج لنفوذها الاقتصادي والأمني والدبلوماسي المتزايد في أفريقيا.
وبعد الاستقرار الذي شهدته منطقة الخليج العربي من الناحية السياسية في السنوات العشر الأخيرة، أخذت بعض الدول الخليجية تتوجه نحو القارة السمراء لإقامة مشاريع اقتصادية أو إدارتها بحيث تسعى من طريقها إلى رسم سياسة خارجية اقتصادية جديدة لها من جهة، ورسم سياسة عن العمل بنحو مشترك مع الدول المستفيدة خارجية ودبلوماسية اقتصادية من جهة أخرى، فضلا من ذلك الاستثمار لخلق بيئة تؤمن العديد من فرص العمل وخلق سوق اقتصادية بعيدة عن النفط لتعظيم الإيرادات، وتنويع البيئة الاقتصادية واستثمار فائض أرباحها في مشاريع تنموية وحيوية، فضلا عن استمرار النفوذ الخليجي وتعزيزه بأفريقيا.

لماذا أفريقيا ؟
حين الحديث عن أي مشروع استثماري فلا بد أن تتوافر فيه بيئة اقتصادية مناسبة، وأهم ما في هذه البيئة هو الاستقراران السياسي والأمني، وإن المتتبع للشأن الأفريقي يجد أن معظم بلدان هذه القارة لا تتسم بالاستقرار، لكن ما يدفع الدول الخليجية التوجه نحوها هو النفوذ الجيوسياسي في تلك القارة، الذي يمكنها من السيطرة على السوق الناشئة، والدخول في اتفاقيات اقتصادية مع دول أخرى لديها مصالح مشتركة في القارة نفسها؛ مثال ذلك: التوأمة الاقتصادية بين معظم دول مجلس التعاون الخليجي والصين، «ويعد التآزر الذي أوجده الحكم الاقتصادي الصيني وتوجه دول الخليج المتزايد نحو الشرق قوة قوية ستؤثر على أنماط الاستثمار في الأسواق الناشئة، وكذلك ممارسات تمويل التنمية وإعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع والأفكار بشأن الإدارة المناسبة للأسواق )، (في الشرق الأوسط» , وكذلك يتضمن التفكير للتوجه نحو هذه القارة لأنه أصبح المكان المناسب من حيث الموقع الجغرافي لبعض البلدان فيها والأيدي العاملة من جهة، وزيادة العلاقات، وتوسع النفوذ الإقليمي للدول الخليجية في الشرق الأوسط، واستثمار مواردها السياسية والاقتصادية بمحاذاة الصين في حال انسحاب الولايات المتحدة منه من جهة أخرى. وتسعى الدول الخليجية إلى خلق رؤى وتفاهمات اقتصادية وسياسية جديدة في تلك القارة من طريق التدفقات المالية التي تسعى عبرها إلى توحيد المؤسسات الاقتصادية في الشرق الأوسط وحوكمتها إلى خلق تفاهمات مشتركة بينها وبين الصين في هذه القارة والمنافسة على الأسواق هناك بقناعاتها في النمو الاقتصادي المتصاعد، وتوجيه موارد الدولة لتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية المنشودة، ومن المرجح أن يخلق حجم رأس المال الخليجي-الصيني في توجيه المؤسسات المالية التي تسيطر عليها الدولة أنماطا جديدة من المساومة والعلاقات السياسية في المجالات المشتركة ذات الاهتمام الاستراتيجي في المستقبل القريب.
وأخذت دول الخليج في الآونة الأخيرة العمل على إظهار مكانتها على الساحة الإقليمية والدولية بالعمل كوسطاء في النزاعات الأفريقية، وللاستفادة من الفرص الاقتصادية وحماية مصالحها عن ذلك فإن هذا الدور المتصاعد نحو أفريقيا من قبل الخليج قد يؤدي إلى تنافس خطير للسيطرة على المشاريع الاقتصادية هناك من طريق خلق فرص جذب للمستثمرين في جميع أنحاء العالم، لكن هناك ثلاثة عوامل رئيسة دفعت دول مجلس التعاون الخليجي اللجوء إلى أفريقيا، أولها أنه «ساعد ذلك في بناء الروابط الاقتصادية في أفريقيا لدول الخليج على الاستفادة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وثانيها هو زيادة أمنها الغذائي، وثالثها هو تعزيز سمعتها كجهات فاعلة مسلمة محببة»
الوجود الخليجي المتعدد
سعت الدول الخليجية إلى تعزيز تواجدها في أفريقيا عبر تطوير استراتيجياتها الخاصة بالتنويع الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على النفط بالاستثمار في الأسواق الأفريقية، التي أصبحت أكثر أهمية حينما انخفضت أسعار النفط في عام 2014 ، إذ «استثمرت الإمارات ما يقدر بنحو 11 دولار مليار دولار في رأس المال في أفريقيا في عام 2016 وتسعى إلى تطوير صناعات الطاقة لديها، وقد أعلنت المملكة العربية السعودية مؤخرا عن استثمار بقيمة 10 مليارات مليارات دولار في جنوب أفريقيا وفي الوقت نفسه وقعت قطر صفقة بقيمة 4 مليارات أيضاّ قطاع الطاقة، لإدارة ميناء على البحر الأحمر مع السودان في شباط 2018
ويبين الموقع الجغرافي الاستراتيجي للخليج أيضا سببا لجعل أفريقيا محور نشاطه الاقتصادي من طريق التركيز على تطوير البنية التحتية والتجارة في هذه القارة، «وقد استفادت الإمارات من البنية التحتية المتميزة للنقل البحري والموانئ لتوصيل هذه الإمكانات لتصبح أكبر متداول خليجي مليارات دولار من البضائع مع أفريقيا، إذ استوردت الإمارات من أفريقيا ما يقرب من 5 مليار دولار في عام 2015 إلى 2010 ، قبل زيادة وارداتها بنحو كبير 23.9 مليار دولار في عام 2016.
وعملت المملكة العربية السعودية على تحقيق أمنها الغذائي في تلك القارة؛ مما جعلها من أكبر مستثمر للأراضي الزراعية هناك، إذ بدأت استراتيجية جديدة للأمن الغذائي هناك ونظرا للتربة الغنية التي تتمتع بها بعض دول أفريقيا، والأراضي الصالحة للزراعة، ونقص المياه داخل الأراضي السعودية «جعلها تفكر في التغلب على المشكلة الزراعية باستثمارات هناك إذ اشتت 500 ألف هكتار من الاراضي في تنزانيا، لجعلها بمنزلة السلة الغذائية للمملكة في عام 2009.
ولم تكن قطر الدولة الخليجية الأخرى هي ببعيد عما يجري في أفريقيا، فقطر هي أكثر دول الخليج اعتمادا ً على الغذاء المستورد من الدول الخليجية المجاورة لها، وما أن حدثت الأزمة الخليجية في عام 2017 جديداً بين دول مجلس التعاون وقطر فقد فرض الواقع السياسي الجديد «الحاحا جديد على الحكومة القطرية لتعويض ذلك، «فأعلنت الحكومة القطرية في عام 2018 عن خطط لاستثمار نصف مليار دولار في القطاعين الزراعي والغذائي بالسودان. وعلى الرغم من ذلك فإن بعض الدول الأفريقية تلجأ إلى إيجار أراضيها لغرض الزراعة واخذ نسبة من المحصول لسد احتياجات السكان المحليين.

ولم تبتعد سلطنة عمان كذلك عن التوجه نحو القرن الأفريقي، فقد تم توقيع مذكرة تفاهم بين وهيئة الموانئ والمناطق الحرة في جيبوتي؛ لغرض والصندوق الاحتياطي العماني العام (أس جي أر أف ) لغرض استكشاف نوافذ الاستثمار في جيبوتي إلى جانب إنشاء شراكة استراتيجية بين المؤسستين. وأشار الرئيس التنفيذي للصندوق الاحتياطي العام للسلطنة (عبد السلام بن محمد المرشدي) إلى عن ًأن الاتفاق سيتيح للجانبين التعاون في تطوير الموانئ، واستثمارها، وتشغيلها، وإدارتها، فضلا إلى المنشآت اللوجستية الرئيسة الأخرى، وتم الاتفاق على تطوير ميناء (دوراليه) أحد أهم الموانئ الجيبوتية على البحر الأحمر، وهذا ما زاد من حدة المنافسة بين الدول الخليجية على هذه المنطقة بالتحديد لضمان النفوذ الجيوسياسي، ورسم استراتيجية كاملة للاستثمار في هذه البقعة الواقعة على على باب المندب التي تلتقي بالمحيط الهندي جنوبا , ، وجاءت الإمارات على رأس الدول ًالبحر الأحمر الخليجية التي أخذت بالاستثمار منذ أكثر من 10 سنوات في (محطة دوراليه) للحاويات حتى تحولت المنطقة التي تسيطر عليها إلى ثكنة عسكرية تستخدمها للحرب في اليمن ضمن التحالف السعودي لكن دخول سلطة عمان على خط الاستثمار دعا جيبوتي إلى فسخ عقد الاستثمار مع الإمارات عبر «تجريد شركة موانئ دبي من امتيازاتها استنادا إلى قانون أقره البرلمان في شباط 2017 ومنح الحكومة إنهاء العقد بسبب تعارضه مع المصالح الأساسية للدولة.

المحصلة أدت الحرب على اليمن إلى زيادة المصالح الأمنية للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية في هذه القارة المتحدة في شرق أفريقيا؛ لذا أصبحتا من أكثر الدول الخليجية استثمارا في هده القارة وغالبا ما تقدم دول الخليج حوافز اقتصادية في المقابل للحصول على المكاسب وتحقيق أهدافها، وسعت دول الخليج إلى استخدام أدوات النفوذ لديها -الاقتصادية والسياسية- لإقناع الدول الأفريقية بتخفيض روابطها، أو تعاملاتها مع إيران، ونجحت بذلك لغرض احتواء الوجود الإيراني في تلك المنطقة، بين دول مجلس التعاون أفصحت عن محدودية النفوذ 2017ولكن الأزمة الخليجية الأخيرة عام في هذه القارة، فلم تستطع أخذ ولاء معظم الدول الأفريقية لصالحها؛ وبالتالي فإن هذا خلق تأثير متزعزع في هذه القارة عن عدم توحيد الموقف الخليجي تجاهها.ً ، ان التوجه نحو هذه القارة في السنوات الأخيرة جاء نتيجة ضغوط خليجية (سعودية- إماراتية) داخل مجلس التعاون الخليجي للدخول في السوق الناشئة في هذه القارة أولا ، على الرغم من العروض الاستثمارية والدعم الاقتصادي الكبير من ًالنفوذ الإيراني في المنطقة ثانيا قبل السعودية المقدم لمعظم بلدان القارة، وكذلك تحجيم الاستثمارات القطرية في مجال الزراعة .ًوالصناعة وتشغيل الموانئ ومجال مكافحة الإرهاب ثالثا هذا التنافس لدول الخليج في هذه القارة يحمل في طياته مخاطر تجاه الدول الأفريقية ّولعل الضعيفة، وحثها على اختيار محور من المحاور الخليجية والوقوف معه في النزاع القائم بين دول مجلس التعاون الخليجي، فالسعودية والإمارات يمتلكان أدوات اقتصادية كافية لدعم الحركات الانفصالية في هذه القارة والعمل على تأجيج الوضع لصالحها. وسيستمر التوجه نحو القارة السمراء طالما أن المصالح المشتركة لدول الخليج وحلفائها مثل من أجل العمل على إيجاد ً وأمنياً هذا التوجه اقتصادياُ متزايد، وسيكون شكلٍ الصين قائمة وبنحو متعددة للدول ً النزاعات بين أطراف النزاع في أفريقيا، التي بدورها ستخلق فرص التعاون وفض الخليجية للتدخل كجهات فاعلة، ومؤثرة في المشهد، وتقديم حوافز اقتصادية كبيرة من أجل ضمان تعزيز نفوذها في هذه القارة.

المصدر مركز البيان للدراسات والتخطي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


إغلاق