تحليلات واراء

الانتخابات النصفية والسياسة الأمريكية الخارجية: حدود التأثير

د. صلاح أبونار

انتهت الانتخابات النصفية الأمريكية بالنتيجة المتوقعة. حصل الديمقراطيون على ما رجح أغلبية المراقبين حصولهم عليه: أغلبية مجلس النواب. وفشلوا في الحصول على ذات ما رجحوا حصولهم عليه: أغلبية الشيوخ. وسوف يكون لتلك النتيجة تأثيرها المؤكد على إدارة السياسة الخارجة. تأثير لا يمكن وصفه بالضخامة، ولا يمكن بناء عليه أن نتوقع تغيرات جذرية في السياسة الخارجية. والأصح أن تأثيره سيكون محدودا ونسبيا من جهة، ومتفاوتا تبعا لقضايا السياسة الخارجية من جهة أخرى.
يتعين علينا إذا أردنا فهم الانتخابات النصفية بدلالاتها الواقعية وضعها في سياقها السياسي النظامي الأعم، أي سياق النظام السياسي الأمريكي. ينتمي النظام الأمريكي إلى فئة النظم الديمقراطية الرئاسية. تتسم تلك النظام عامة بضعف الروابط بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ووجود موارد قوة سياسية مختلفة متمايزة لكل منهما، وأليات رقابة وضبط متبادل قوية بينهما. ونتج عن ذلك حالة تحول دائم لموازين القوى بينهما، قابلة في أحيان كثيرة للتطور إلى مواجهات حادة. وإذا أضفنا تأثير انتخابهما في سياق وتوقيت مختلف، سيجد الرئيس نفسة في أحيان كثيرة يواجه سلطة تشريعية تنتمي أغلبيتها إلى الحزب المعارض لحزبه. باختصار: لا يشكل سيطرة الحزب المعارض على السلطة التشريعية، لبعض أو لكل سنوات فترة الرئاسة حدثا استثنائيا عارضا بل حدثا نمطيا متكررا، يشكل بالتأكيد مأزقا للرؤساء ولكن الكثير منهم تمكنوا، رغم وجوده، من مواصلة الحكم بدرجة من النجاح وتجديد رئاستهم.
وإذا تركنا النظم الرئاسية في عمومية أوضاعها، والتفتنا صوب خبرة النظام الرئاسي الأمريكي، سنجد تأكيدا للحكم السابق. تمكن آخر ثلاثة رؤساء قبل ترامب من الحكم لفترتين متتاليتين، لفترة تمتد من 1993 بداية ولاية كلينتون الأولى، حتى 2016 نهاية ولاية أوباما الثانية. في 1993 اقتنص كلينتون الرئاسة في ظل كونجرس 1993 – 1995 الذي سيطر عليه الديمقراطيون، بأغلبية 258 في النواب و47 في الشيوخ، وبفارق 82 عضوا في النواب و14 عضوا في الشيوخ عن الجمهوريين. ولكن كلينتون لم يتمتع بهذا الوضع المريح سوى عامين، وفي أول انتخابات نصفية واجهها حكمه فقد الديمقراطيون أغلبيتهم في كونجرس 1995 – 1997 ، فهبطت عضويتهم هبوطا مفزعا إلى 204 مقابل 230 للجمهوريين في النواب، و47 مقابل 53 في الشيوخ. وسوف تستمر أغلبية الجمهوريين بنسب قريبة من النسب السابقة، على مدى كونجرس 1997 -1999 وكونجرس 1999 – 2001، وهو ما يعني أن كلينتون قضى 6 سنوات من رئاسته في ظل أغلبية جمهورية، تمكن خلالها من النجاح من تجديد رئاسته في انتخابات 1997. وسيفوز بوش الابن بانتخابات 2001 في ظل تلك الأغلبية الجمهورية في المجلسين. وسيحافظ الجمهوريون على أغلبيتهم في كونجرس 2003 -2005 ، ثم في كونجرس 2005 -2007 ، ولكن في انتخابات كونجرس 2007 – 2009 تمكن الديمقراطيون من استعادة أغلبيتهم في النواب والتعادل مع الجمهوريون في الشيوخ. والحاصل أن باراك اوباما نجح في انتخابات 2009 في ظل أغلبية ديمقراطية في النواب، سيتمكن الديمقراطيون من توسيعها في انتخابات كونجرس 2009 -2011 ، لتقفز أغلبيتهم في النواب الى 257 مقابل 178 للجمهوريين، وفي الشيوخ الى 56 مقابل 40 للجهوريين. ولكن على مدار مدد الكونجرس الثلاث الممتدة من 2011 إلى 2017، فقد الديمقراطيون أغلبيتهم في المجلسين. ففي مجلس 2011 – 2013 حقق الجمهوريون أغلبية 242 في النواب واحتفظ الديمقراطيون بأغلبية الشيوخ. وفي المجلسين التاليين حافظ الجمهوريون على أغلبية النواب، وأضافوا إليها أغلبية الشيوخ. والحاصل أن أوباما تمكن من إعادة انتخابه، في ظل أغلبية قوية للجمهوريين في النواب والشيوخ.
ونخرج مما سبق بنتيجة تدعمها الخبرات المقارنة، وهي أن مفارقة وجود رئيس أمريكي يحكم في مواجهة سلطة تشريعية يسيطر عليها كليا أو جزئيا الحزب المعارض، مفارقة معتادة في ظل النظم الرئاسية والنظام الأمريكي منها. وهو ما يشير إلى أن الضجة الراهنة حول الانتخابات النصفية الأمريكية، لن نجد مصدرها في هذه المفارقة ذاتها بل في شخص وسياسات الرئيس الأمريكي والاختلافات الجذرية حوله. وفي العادة لا يهتم العالم إلا بانتخابات الرئاسة الأمريكية، ولكن لعلها المرة الأولى التي تحظي فيها انتخابات التجديد النصفي بتلك الدرجة من الاهتمام العالمي المكثف. ظاهرة سنجد تفسيرها في نمط السياسات الخارجية التي اتبعها ترامب، وحملت معها تحولات جذرية في رؤية وسياسات أمريكا للنظام العالمي من حيث أسسه وأساليب إدارته وأزمات إقليمية مستحكمة، أضحت تؤثر على الكثير من دول العالم وشعوبها.
وهنا يظهر سؤالنا المحوري: ماهي الأبعاد المنتظرة لتأثير الانتخابات النصفية على سياسة ترامب الخارجية؟ ثمة إجماع بين المراقبين على أن هذا التأثير في شكله ومداه المباشر سيكون محدودا من جهة ومتفاوتا من جهة أخرى. بافتراض صحة هذا التقييم، ماهي أسباب تلك المحدودية المفترضة؟
*هناك – أولا – محدودية الانتصار الديمقراطي نفسه. فلم يكن انتصارهم في النواب كاسحا، كما تظهر مقارنته بأغلبيات الديمقراطيين السابقة، واحتفظ الجمهوريين بأغلبية الشيوخ بدوره المحوري في السياسة الخارجية. ويبدو تأثير تلك المحدودية في عدة قضايا. فلو أراد النواب تحريك التحقيق ضد الرئيس فيما يسمى بقضية التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، لن يمضي في محاولته بعيدا لأنه يعرف أنه لا جدوى منها، طالما شكل الجمهوريون أغلبية مجلس الشيوخ. ونفس المحدودية تسلب الديمقراطيين بعض أهم أسلحة تأثيرهم على السياسة الخارجية، لأن إقرار الاتفاقيات الدولية والموافقة على ترشيحات الرئيس للمناصب الدبلوماسية والسياسية الكبرى في يد مجلس الشيوخ.
* وهناك – ثانيا – طبيعة تحولات التركيبة الديمقراطية داخل النواب. سجل المحللون تحولا قويا جدا في تمثيل النواب الجدد للنساء والأقليات الإثنية الأفريقية واللاتينية، ويعبر هذا جزئيا عن الطبيعة الأكثر تسامحا وليبرالية للديمقراطيين، ولكنه يعبر أكثر عن رد فعل تلك القطاعات على الطابع المحافظ واليميني لسياسات ترامب الراهنة، كما تمثلت في حملته ضد المهاجرين وموقفه من قضية القاضي كافانوة، في ظل مجتمع لعبت الهجرة الدور المركزي في تكوينه. ومن شأن هذا التغيير أن يدفع للعمل على استثماره سياسيا، ضمانا للنجاح في الانتخابات 2020 الرئاسية، ولتوسيع نطاق السيطرة على الكونجرس في الانتخابات القادمة، من خلال التركيز على القضايا الداخلية واستغلال هذا التركيز في بلورة برنامج ديمقراطي اجتماعي قادر على تحقيق قاعدة تأييد واسعة، وعدم الانهماك في الصراع حول قضايا خارجية لن يتمكن من حسمها وتحظى بدرجة اهتمام جماهيري أقل.
*وهناك – ثالثا – طبيعة الحسابات السياسية التي سيجد الديمقراطيون أنفسهم مرغمين على اتباعها، في إدارة سياستهم بما تحمله من إمكانيات الخلاف حول قضايا المجال الخارجي. من المتوقع تأثر تلك الحسابات بعدة عوامل. أولها أن الديمقراطيين لا يعارضون عمليا كل توجهات ترامب الخارجية، وفي بعض القضايا التي يعارضونه فيها لا يعارضونه كليا ، بل في جوانب معينة منها. فهم لا يعارضونه إلا في حدود بسيطة في موقفه التجاري من الصين، لكنهم يعارضونه جذريا في موقفه من روسيا، وهم يؤيدونه في مطلب توزيع أعباء الدفاع الأطلسي توزيعا متساويا على أعضاء الناتو، لكنهم يعارضونه في موقفه من التحالف الغربي بتخطيه في قراراته وميله لاعتبار الناتو عبئا لا ضرورة له. وثانيها أنهم سيجدون أنفسهم ملزمين بحساب رد فعل ترامب المتوقع. ولن ينساقوا في معارضته في القضايا الخارجية، خوفا من تطرف ردود فعله وتوظيفه الإعلامي للرطانة الشعبوية، وبالتالي تحقيقه لانتصارات إعلامية سترفع حظوظه الانتخابية. وثالثها معرفتهم بوجود قوى ضغط داخلية هامة ومستفيدة من بعض قرارات سياسة ترامب الخارجية، مثل تلك المرتبطة بصناعات الصلب والألومنيوم، واللوبي الصهيوني الذي يدافع بشراسة عن قرار القدس. ورابعها أنهم يجدون أنفسهم أمام قضايا كان لهم موقفا ناقدا لقرارات ترامب فيها، لكن قراراته جعلتها أمرا واقعا ومعارضتها ستكون مكلفة وبلا عائد سياسي يعوض تكلفتها. وليس معنى ذلك التسليم بها نهائيا، بل إنه في إطار موقف سياسي مترتب على مجرد تغيير في تركيبة مجلس النواب، لا يمكن لسياسي واقعي سوى التسليم بالأمر الواقع حتى تحين لحظة تغيرات كلية، ربما مكنته من معاودة التعامل مع المشكلة من منظور جديد. ونموذج ذلك الموقف من إلغاء الاتفاقيات التجارية، والاتفاق النووي الإيراني ، واتفاقية المناخ.
ويمكننا على ضوء المحددات السابقة، أن نتصور ثلاثة مسارات لعمل الديمقراطيين، خلال العامين اللذين يفصلانا عن الانتخابات الرئاسية القادمة . المسار الأول يمكن دعوته بمسار التفعيل، و يتجه لتنشيط وإبراز قضايا أهملتها إدارة ترامب أو قامت بتهميشها، مثل حالة الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم وبالتحديد في ظل النظم التسلطية الجديدة، وإعادة الاعتبار إلى دور وزارة الخارجية الأمريكية التي همشتها الإدارة الجديدة، وبناء اقترابات أمريكية جديدة من قضية المناخ وإعادتها تدريجيا لقائمة الأولويات الأمريكية. ومسار ثان يمكن دعوته بمسار المواجهة، وعبره سيدخل الديمقراطيون في مواجهات محسوبة ومتفاوتة، وليست كلية مع سياسات ترامب في مسألة العلاقات مع روسيا والتدخل الروسي المزعوم في الانتخابات والناتو والانسحاب من اتفاقية الأسلحة النووية المتوسطة وبرامج التطوير النووي الجديدة، والمفاوضات الكورية. والثالث هو مسار التوافق وفيه يدعمون سياسات معينه لترامب، يتخذون منها موقفا مماثلا أو يعتبرونها أمرا واقعا، مثل السياسات التجارية وإلغاء الاتفاق النووي الإيراني. وغالبا لا يتعلق الأمر هنا بتوافق مطلق بل نسبي، يتم عبر التفاوض والنقاش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق