بقلم رئيس التحرير

اثر التنظيمات الارهابية على مستقبل العلاقات الدولية

الاستاذ. محمد بن سعيد الفطيسي - رئيس التحرير

من المنطقي ان نسمع عن علاقة مواجهة صريحة ومباشرة بين الدول في مختلف ارجاء العالم والتنظيمات الارهابية , او حرب على الارهاب يتم شنها من قبل مؤسسات الاستخبارات والامن والقانون في تلك الدول . الا ان من غير المنطقي ان نسمع عن علاقة تعاون بين تلك التنظيمات الارهابية وبعض الدول , او شراكة وتبادل للمعلومات والمصالح بين مؤسسات الامن والاستخبارات والجماعات الارهابية حول العالم  . فما هي الاسباب التي دفعت بعض دول العالم الى تغيير سياساتها وتوجهاتها في التعامل مع قضايا الارهاب , او على اقل تقدير الى افساح المجال لتبني سياقات جديدة لمواجهتها واحتواءها , تقوم على فكرة دمج تلك التنظيمات في سياقات دولية ” سياسية وامنية ” .

على ما يبدو فان المتغيرات الحاصلة في حقل السياسية والعلاقات الدولية وتشكيل هياكل ذلك النظام الدولي الراهن قد تأثرت كثيرا بتلك التفاعلات والانشطة الدولية الاستثنائية التي تؤكد اتجاه هياكل بناءه ووحداته التقليدية الى مسارات التغيير والتطور المتسارع باتجاه علاقات قائمة على انشطة يبدو انها خرجت بالفعل من دائرة المنطق والعقلانية وحتى المشروعية الى دائرة الفوضى والاضطراب واللامشروعية الدولية . وبتصوري الشخصي ان بعض الدول ومن اجل التخلص من عقدة الخوف والرغبة في عدم مواجهة هذه التنظيمات , او جراء ما تكبدته من خسائر في مواجهة لا تنطوي على العقلانية او التوازن , اختارت خيارات الهدنة او حتى الابتعاد عن التدخل , فيما اتخذ النموذج الاخر شكل التعاون السري .

والدليل على ذلك هو استمرار تعاون بعض الدول الكبرى وحتى بعض الوحدات الدولية الصغيرة مع تلك التنظيمات الدولية بطرق مباشرة او غير مباشرة منذ عقود طويلة  وحتى الان ,  حيث يجد المتتبع لتاريخ التنظيمات الإرهابية وعلاقاتها مع العديد من دول العالم الكثير من التناقضات بين الواقع على الارض ولغة الخطاب السياسي المعلن في ما وراء الحرب على الإرهاب , بل والاخطر من ذلك هو تحول تلك العلاقة الى علاقة تعاون وشراكة وتبادل للمصالح تستثمر لبقاء واستمرار اطرافها على رقعة الشطرنج الدولية , في وقت تتوسع فيه قوة تلك التنظيمات وتتزايد مخاطر انتشارها او حتى تطور استراتيجياتها واشكال بناءها التنظيمية , والامثلة التاريخية على ذلك كثيرة ومتعددة – انظر في هذا السياق مقال ارهاب وانعدام امن في الساحل الافريقي – درس في التزوير الجغرافي والسياسي , لجيرمي كنان .

وهو ما يشير الى عدد من النتائج الخطيرة التي ستؤثر على الاستقرار والامن الدولي خلال العقود القادمة , ومن اهم تلك النتائج : تزايد تأثير التنظيمات الارهابية الدولية على حقل السياسة والعلاقات الدولية , ما يشير الى وجود ثغرة امنية في هياكل بناء النظام الدولي الراهن , باتجاه اكتساب تلك التنظيمات الارهابية دور اشبه ما يكون بالفاعل الثانوي في النظام الدولي المعاصر. وان دل هذا على شيء فإنما يدل على ضعف البناء الامني العالمي , او عدم مصداقية النظام الامني الدولي في التعامل الجدي والحازم تجاه تلك التنظيمات .

يضاف الى ذلك ان هذا التحول يدل دلالة واضحة كذلك على تراجع دور سلطة الدولة التقليدي باعتبارها الفاعل المركزي او القوة الرئيسية في النظام العالمي باتجاه توزيع تلك القوة بين اطراف فاعلة جديدة , كالشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الخيرية والانسانية والشبكات الاعلامية وتجار المخدرات والاسلحة والمصارف والمؤسسات المالية الدولية , والتنظيمات الارهابية والمهاجرون العابرون للقوميات .

 

وما يؤكد هذا الاتجاه , أي اكتساب التنظيمات الارهابية مساحة من النفوذ على رقعة الشطرنج الدولية , هو نجاح تلك التنظيمات الارهابية حتى الان على اقل تقدير في اكتساب مزيد من القوة والتوسع في رقعة تأثيرها ونفوذها الدولي , خصوصا في مناطق الفوضى والصراع والاضطراب العالمية كمنطقة الشرق الاوسط , بالرغم من الاعلان العالمي والتعاون الدولي على مكافحة الارهاب والتنظيمات الارهابية .

يضاف الى ذلك ما حصلت عليه هذه التنظيمات من دعم وتمويل مادي من قبل بعض الدول في مختلف ارجاء العالم , وذلك في طريق تحقيق تلك الدول بعض اهدافها السياسية والاقتصادية والامنية على رقعة الشطرنج الدولية , خصوصا الدول التي تملك الثراء المالي ولكنها لا تملك الامكانيات البشرية , وربما بسبب سهولة تحقيق رغبتها واهدافها عبر وكلاءها دون ان تظهر هي على الساحة الدولية تجنبا لأي اشكاليات قانونية او امنية , وبالتالي نلحظ ان تلك العلاقة التبادلية هي اولا واخيرا مسالة تبادل مصالح , كالمال مقابل التمكين والنفوذ , او المال مقابل اسقاط بعض الانظمة والحكومات , او نشر الفوضى والاضطراب وهكذا.

على ضوء ذلك . فان وسائل مكافحة الارهاب والتنظيمات الارهابية ” المحلية ” وخلال العقود القادمة يجب ان تتعامل مع الواقع الجديد للإرهاب العابر للحدود الوطنية , او الارهاب كفاعل له وزنه وقوته على رقعة الشطرنج الدولية , حتى وان كان ذلك مخالف للعقل والمنطق , وليس ذلك دعوة للتعاون والشراكة , ولكن هي دعوة لتغيير الاستراتيجيات والتوجهات , وذلك عبر تبني خيارات جديدة لمكافحته تنطلق من تبني مختلف نماذج مكافحة الارهاب , سواء اكانت اكراهية او إقناعيه او دفاعية او طويلة الاجل , والاهم من ذلك تعزيز البناء الوطني الداخلي , ورفع مستوى الوعي الجماهيري بمخاطر الارهاب واشكاله الجديدة , خصوصا تلك التي باتت تعتمد على ارهاب الافراد او ” الذئاب المنفردة ” بعيدا عن ارهاب الجماعات او التنظيمات الارهابية .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


إغلاق