الدراسات والبحوث

إنهاء التوافق في تونس.. تحدٍّ جديد يعرقل الانتقال الديمقراطي

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

ما زالت ارتدادات فك التوافق بين الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، وحزبه نداء تونس من جهة، وحركة النهضة من جهة ثانية، تلقي بظلالها على المشهد التونسي. ومع تداعي القواعد التي حكمت العلاقة بين مختلف الفاعلين منذ انتخابات 2014، وبعد أسابيع قليلة من التعديل الذي أجراه رئيس الحكومة التونسي، يوسف الشاهد، على تركيبة حكومته، وما رافقه من تجاذبات مع الرئيس السبسي والشق الموالي له في حزب نداء تونس، ما زالت تفاصيل الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد تتعقد وتتشعب؛ ما يطرح أكثر من سؤالٍ عن مآلات الانتقال الديمقراطي الذي سلكته البلاد منذ ثورة 2011، وعن قدرة المؤسسات والنخب السياسية على مواصلته في ضوء تراجع سياسة التوافق، وعودة مقولات الاستقطاب وأطروحات الإقصاء، بعناوين أمنية وقضائية، ودخول جهات إقليمية على الخط لترجيح كفة أطرافٍ على أخرى وتوسيع هوة الخلاف.

مسألة الاستقرار الحكومي
لم يكن إعلان الرئيس الباجي قائد السبسي، أواخر أيلول/ سبتمبر 2018، انتهاء التوافق الذي ظل ساريًا مع حركة النهضة، منذ انتخابات 2014، مفاجئًا لمتابعي المشهد السياسي التونسي؛ فمنذ خروج الصراع إلى العلن بين رأسَي السلطة التنفيذية (السبسي والشاهد)، اختارت حركة النهضة، صاحبة الكتلة الأكبر في البرلمان، الانحياز إلى ما أسمته “الاستقرار الحكومي” الذي لا يجوز أن يخضع إلى تقلبات موازين القوى داخل حزب نداء تونس، وعارضت
“تعطي  استقراءات الرأي بشأن الانتخابات المقبلة تقدّمًا لحركة النهضة والشاهد وتراجعًا للرئيس السبسي وحزبه”
الدعوات التي أطلقها حزب نداء تونس والاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية) وأحزاب أخرى، لرحيل الشاهد وحكومته. ولا شك في أن أحد الاعتبارات كان أيضًا دعم الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الاقتصادية الدولية الاستقرار الحكومي. وبدعم من “النهضة” وجزء كبير من حزب نداء تونس، نال الشاهد أغلبيةً مريحةً لأعضاء حكومته الجدد، حين عرضهم على البرلمان في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. ولم تمضِ أيامٌ قليلةٌ على إعلان السبسي فضَّ توافقه وحزبه مع حركة النهضة، حتى أعلنت هيئة الدفاع في قضية اغتيال الناشطيْن، شكري بلعيد ومحمد البراهمي، كشف ما وصفتها بـأنها “غرفة سوداء” في وزارة الداخلية، تحوي مستندات خطيرة تثبت وجود “تنظيم سري” تابع لحركة النهضة، مكلّف بملاحقة سياسيين وعسكريين وأمنيين والتنصت عليهم، ومتورّط في حادثتي الاغتيال المذكورتين. ويعني ذلك تسخير الأمن والقضاء في خدمة الصراعات السياسية، على نحوٍ لا ينبئ بالخير بالنسبة إلى الثقافة المدنية الديمقراطية للنخبة.
نفى وزير الداخلية في حكومة الشاهد أمام البرلمان وجود غرفةٍ سوداء في وزارته، إلا أن هذا النفي لم يسدل الستار عن القضية؛ ففي 26 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، استقبل الرئيس السبسي هيئة الدفاع التي تقدّمت إليه بـ “طلب تعهّد مجلس الأمن القومي بالملف وتكوين لجنة برئاسة شخصية وطنية للتدقيق في جملة من المعطيات ذات العلاقة”. وفي 29 من الشهر نفسه، ترأس السبسي اجتماع مجلس الأمن القومي الذي تداول في ما ورد من اتهاماتٍ وجهتها هيئة الدفاع في قضية الاغتيال إلى حركة النهضة. وفي رسالةٍ لافتةٍ للانتباه، بثّت صفحة رئاسة الجمهورية كلمة السبسي التي عبّر فيها عن وجاهة ما تقدمت به الهيئة، مؤكدًا أنّ حركة النهضة وجهت إليه تهديدًا في بيانها الذي أصدرته ردًا على اتهامات هيئة الدفاع. وتذهب أغلب التسريبات التي أوردتها مصادر إعلامية وسياسية إلى أن رغبة الرئيس في سحب القضية من إطارها القانوني والقضائي إلى أطر أمنية وسياسية قوبلت بفتور من رئيس الحكومة يوسف الشاهد، إلا أن مؤشرات عدة، منها تكرار الحديث عن القضية في أكثر من مناسبة، تفيد أن الرئيس ماضٍ في محاولات الإبقاء على هذه الورقة قيد التداول للضغط على شريكه السابق ومحاصرته، وذلك قبل عام من الانتخابات البرلمانية والرئاسية المتوقعة أواخر عام 2019، والتي تعطي فيها استقراءات الرأي تقدّمًا لحركة النهضة والشاهد وتراجعًا للرئيس السبسي وحزبه.

مزاعم بـ “انقلاب” على الرئيس
لم تكن حركة النهضة الطرف الوحيد الذي وجد نفسه في مرمى نيران الرئيس، ومن بقي في صفه من حزب نداء تونس، في الأسابيع الأخيرة، ففيما يشبه اتهامات هيئة الدفاع في قضية اغتيال بلعيد والبراهمي حركة النهضة بتشكيل “غرفة سوداء” و”تنظيم سري”، عمد الأمين العام لحزب نداء تونس، سليم الرياحي، إلى رفع دعوى لدى القضاء العسكري ضد رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، وسياسيين ونواب ومسؤولين في الأمن الرئاسي، يتهمهم فيها بالتخطيط للقيام بانقلاب يطيح الرئيس السبسي. وقالت مصادر من حزب نداء تونس إن انقلاب الشاهد موضوع الدعوى يتمثل، أساسًا، في “الاستحواذ على أجهزة الدولة واستقطاب جزء من نواب نداء تونس ضمن كتلة الائتلاف الوطني الداعمة له، وفي مرحلة قادمة استعمال القوة لبسط نفوذه على الدولة وعزل الرئيس”. لم تصدر الدعوى التي رفعها الأمين العام لحزب نداء تونس عن رئاسة الجمهورية، إلا أن الارتباط القوي بين السبسي ومن بقي في حزبه، إضافة إلى ضعف نفوذ الأمين العام، سليم الرياحي، الوافد، حديثًا، إلى الحزب، كلّها معطياتٌ تحيل على وجاهة التسليم بوقوف الرئيس ونجله حافظ وراء الجبهة الجديدة المفتوحة ضد الشاهد، خصوصا بعد تكليف الرئيس السبسي الوزير المقال من حكومة الشاهد مبروك كرشيد بمتابعة القضية.
“حضور قياديي حزب نداء تونس في التحركات النقابية يشير إلى الصراع السياسي بين السبسي والشاهد”

يكتنف تفاصيل القضية الالتباس؛ حيث لم يُشر نص الدعوى إلى أي أسانيد أو قرائن محدّدة. والقراءة المتأنية والموضوعية، بغض النظر عن التكييف القانوني، تضع القضية في إطار الصراع المتصاعد بين السبسي والشاهد، منذ سنة، فالسبسي، كما يبدو، لا يسلم بالأمر الواقع الذي فرضته الأغلبية البرلمانية، والذي كان آخر حلقاته حصول فريقه الوزاري بسهولة على الثقة في البرلمان، رغمًا عن إرادة الرئيس؛ ففي حين يرى الشاهد ومؤيدوه أن الأمر إعادة للأمور إلى نصابها الدستوري الذي يمنح رئيس الحكومة صلاحياتٍ واسعةً مقارنةً برئيس الجمهورية، فإن السبسي الذي قضى معظم مساره السياسي في ظل نظام رئاسي أحادي، عبّر في أكثر من مناسبة، عن عدم رضاه عن الضوابط الدستورية التي حدّدت مهمات الرئيس. ويصبح التحدي أكبر أمام الشاهد القادم حديثًا إلى السلطة، والذي كان السبسي يعوّل على ضعف تجربته وحداثة علاقته بالشأن العام لإعادة مركزة السلطة في مؤسسة الرئاسة، مرة أخرى.

احتجاجات اجتماعية وأسئلة سياسية
لا تقل التحديات التي يشهدها الوضع الاجتماعي في تونس عن التحدّيات التي تسم المشهد السياسي؛ ففي 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل إضرابًا عامًا في قطاع الوظيفة العمومية، مطالبًا بزيادة الأجور والتراجع عن برنامج خصخصة بعض المؤسسات العمومية. ومن المنتظر أن يبدأ الاتحاد إضرابًا عامًا ثانيًا، في منتصف كانون الثاني/ يناير 2019، في حال عدم التوصل إلى تفاهمٍ مع حكومة الشاهد. وفي السياق نفسه، يخوض مدرسو التعليم الثانوي، منذ شهر، تحركًا نقابيًا، يتمثل في رفض إجراء الامتحانات، والاعتصام في مديريات التربية، والتظاهر في العاصمة والمدن الداخلية، للمطالبة بزيادة المنح والرواتب. ولم تعلن النقابات مطالبَ سياسيةً واضحةً خلال تحركاتها الاحتجاجية، إلا أن إصرارها، طوال الأشهر الماضية، على ضرورة استقالة الشاهد وحكومته، وحضور قياديي حزب نداء تونس بكثافة في الإضراب العام، يؤشران إلى أن التحركات النقابية، بغض النظر عن مدى شرعية مطالبها، ليست معزولةً عن سياق الصراع السياسي الدائر بين الرئيس السبسي ومَن بقي في صفه من حزب نداء تونس من جهة، والشاهد وحركة النهضة من جهة ثانية.
وفي سياق الصعوبات الاجتماعية، وعلاقتها بالمشهد السياسي العام في تونس، انطلقت، منذ أيام، على صفحات التواصل الاجتماعي، دعواتٌ إلى استنساخ تحركات احتجاجية مشابهة لحراك “السترات الصفراء” في فرنسا، أطلق عليها مروّجوها تسمية “حملة السترات الحمراء”، بهدف المطالبة بتحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة. ولم تعلن أي جهة سياسية أو نقابية، حتى الآن، وقوفها وراء هذه الدعوة، إلا أن الخطاب الذي تروّجه الحملة يستهدف، أساسًا، حركة النهضة ورئيس الحكومة يوسف الشاهد. وتشير تسريباتٌ متواترةٌ إلى أن شخصيات مالية وسياسية وإعلامية، وجهات إقليمية، على علاقة بالأمر، خصوصا أن أغلب صفحات التواصل الاجتماعي التي تروّج الأمر ممولة SPONSORED، وهو ما يتجاوز إمكانات الناشطين المتطوعين. ويعوّل مروجو “حملة السترات الحمراء” على أن يكون كانون الثاني/ يناير مناسبةً للتحرك، نظرًا إلى رمزية هذا الشهر الذي شهد أغلب التحركات الاحتجاجية التي عرفتها البلاد منذ سبعينيات القرن الماضي.
والحقيقة أنه على الرغم من وجاهة المطالب وصدق الشعور الشعبي بأن أي تحسّنٍ ملموس لم يطرأ على ظروف العيش، فإن بعض القوى الحزبية والنقابية التي تطالب بتحسين شروط الحياة تعارض، في الوقت نفسه، أي إجراءٍ من شأنه أن يسهم في تنمية الاقتصاد التونسي، ولا سيما تقليل البيروقراطية وتسهيل الاستثمارات فيه.

مشاريع إقليمية على الخط
لم تعد التدخلات الإقليمية الهادفة إلى التأثير في المشهد السياسي في تونس أمرًا خفيًا؛ ففي عام 2014، وقبل الانتخابات البرلمانية والرئاسية بأسابيع قليلة، تم تسريب مستنداتٍ تثبت أن الإمارات العربية المتحدة حوّلت دعمًا ماليًا ولوجستيًا، ضمنه أسطول سيارات مصفحة، إلى المرشح الرئاسي الباجي قائد السبسي ومرشحين آخرين، وهو ما اعترف به قياديون في حزب نداء تونس، حينها، إضافة إلى أن قنوات فضائية، يبثّ أغلبها من أبوظبي ودبي والقاهرة، تجنّدت لترويج التحركات التي خاضها “نداء تونس” والأطراف السياسية المتحالفة معه ضد حكومة الترويكا. وعاد الحديث عن التدخل الإقليمي في مجريات الصراع السياسي الدائر حاليًا بقوة، على الرغم من الفتور الذي عرفته العلاقات التونسية – الإماراتية إثر دخول السبسي في وفاقٍ مع حركة النهضة؛ وذلك بعد أن استقبل الرئيس السبسي عددًا من الشخصيات المثيرة للجدل التي ارتبطت أسماؤها بالأحداث التي شهدتها بلدان الربيع العربي، منذ عام 2013. ففي 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، استقبل الرئيس السبسي رجل الأعمال المصري، نجيب ساويرس، في قصر قرطاج، قبل أن يقوم بزيارة أخرى إلى مقر حزب نداء تونس، حيث اجتمع بقياديين؛ منهم نجل الرئيس حافظ قائد السبسي. وفي 28 من الشهر نفسه، استقبل السبسي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في قصر قرطاج، على الرغم من الرفض الشعبي الكبير على صفحات التواصل، والتظاهرات الاحتجاجية في العاصمة، على خلفية قتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، وسجلّ المملكة في مجال حقوق الإنسان. وفي 3 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، تسلم السبسي أوراق اعتماد السفير الإماراتي الجديد لدى تونس، راشد محمد جمعة المنصوري، القنصل السابق لبلاده في كردستان العراق، الذي قام بأدوار مثيرة للجدل في أثناء تنظيم استفتاء انفصال الإقليم، عام 2017. وفي السياق نفسه، تروج مصادر إعلامية مقرّبة من رئاسة الجمهورية أخبارًا عن زيارات قريبة يؤديها قائد عملية الكرامة في ليبيا، اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ووزير خارجية النظام السوري وليد المعلم الذي يمثل نظامًا ارتكب جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية.
“ما زال مكسب الانتقال الديمقراطي هشًا ومهددًا من الداخل والخارج، على الرغم من حفاظ التجربة التونسية على الحد الأدنى من مضامينه وآلياته منذ 2011″
ويذهب معظم متابعي المشهد التونسي إلى أن الزيارات المذكورة على علاقة وطيدة بمجريات الصراع الداخلي بين معسكر السبسي من جهة، ومعسكر الشاهد و”النهضة” من جهة ثانية، وليست تحركاتٍ دبلوماسيةً روتينية، وأن الرئيس يسعى إلى تثبيت موقعه بالانخراط في المشاريع الإقليمية، والاستقواء بها، ومحاصرة خصومه؛ استعدادًا للانتخابات القادمة.

خاتمة
بتراجع سياسة التوافقات التي وسمت المشهد السياسي التونسي منذ انتخابات 2014، وتصاعد مؤشرات الفرقة والصراع بين معسكر الرئيس السبسي من جهة، ومعسكر رئيس الحكومة وحركة النهضة من جهة ثانية، تدخل الأزمة السياسية في تونس مرحلة صعبة، بعناوين اجتماعية وأمنية وقضائية، وينفتح المشهد على تدخل إقليمي، يرهن النخب السياسية لمشاريع خارجية. وقبل سنة واحدة من الانتخابات البرلمانية والرئاسية، يتعرّض مسار الانتقال الديمقراطي لتحدياتٍ حقيقية من جراء عودة أطروحات الإقصاء التي تستهدف مكونات سياسية، واحتدام صراع النفوذ بين رأسَي السلطة التنفيذية، وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية والمطلبية. ما زال مكسب الانتقال الديمقراطي هشًا ومهددًا من الداخل والخارج، على الرغم من حفاظ التجربة التونسية على الحد الأدنى من مضامينه وآلياته منذ 2011، على خلاف دول الربيع العربي الأخرى. السؤال الرئيس الذي يواجه القوى السياسية الرئيسة في تونس، والذي لا مفر من الإجابة عنه هو: هل تونس جاهزة للحفاظ على الديمقراطية من دون توافق، أي في ظل حكم بأكثرية بسيطة، مع الحفاظ على حقوق الأقلية، وعلى تداول السلطة سلميًا؟ بعبارة أخرى، هل انتهت المرحلة الانتقالية، وأصبح النظام التونسي ديمقراطيًا، لا يحتاج إلى توافق؟ قد تكون نتائج الإجابة الخاطئة عن هذا السؤال فادحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


إغلاق