بقلم رئيس التحرير

إدلب السورية وتقاطع مصالح القوى العالمية

بقلم الاستاذ محمد بن سعيد الفطيسي - رئيس التحرير

تعد محافظة ادلب السورية من ابرز الامثلة الحاضرة اليوم على ما يطلق عليه بالمناطق الجغرافية الاكثر نزوعا للحرب وصراع المصالح الدولية في منطقة الشرق الاوسط , حيث تتقاطع عليها مصالح اقوى واهم القوى الدولية والاقليمية في القرن 21, بداية من الولايات المتحدة الاميركية وروسيا , مرورا بتركيا وايران وبعض القوى الاوربية والعربية , وبكل تأكيد وهو الاهم مصلحة الدولة السورية التي هي جزء لا يتجزأ منها , ومن الطبيعي ان تكون الدولة السورية حاضرة بكل ادواتها السياسية والعسكرية لإعادتها بشكل كامل الى سيادتها .

ما يهمنا في الامر هو ان تلك التقاطعات والمصالح المتداخلة لتلك القوى والفاعلين الاقليمين والدوليين تؤكد اهمية هذه البقعة الجغرافية من الدولة العربية السورية بالنسبة لتلك الوحدات السياسية الدولية من جهة , وكذلك خطورة الوضع وفوضويته على الارض في مقبل الايام من جهة اخرى , بحيث يمكن القول والتأكيد على ان ادلب السورية يمكن ان تتحول في لحظة انفعال او غطرسة الى منطقة تتجاوز فيها تلك القوى الدولية مرحلة تصفية الحسابات او اثارة بعض العمليات الاستخباراتية التي يراد من وراءها اطالة امد الصراع والتدخل الدولي في الاراضي السورية , الى تصعيد ينتقل فيه الصراع الى دول الجوار .

والمتتبع لحال الوضع السياسي والعسكري في ادلب السورية يلحظ صعوبة تحقيق تقارب او توازن بين مصالح تلك الدول دون تنازلات وخسائر جيوسياسية كبيرة بعد كل هذه السنوات من الصراع والتدخل في الارض العربية السورية , وهذا الامر بحد ذاته يشكل عقبة في وجه الاستقرار والامن في منطقة الشرق الاوسط , فللولايات المتحدة الاميركية على سبيل المثال مصلحة قوية في عدم تمكين الروس من هذه المنطقة من العالم , وهو ذات المنطق بالنسبة لروسيا التي دعمت النظام السوري طيلة سنوات الصراع , ومن الاستحالة على روسيا ترك المنطقة دون حصولها على نصيب الاسد من المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية . اذ تعد سوريا اليوم بالنسبة للروس اخر مناطق النفوذ الحقيقي لها في الشرق الاوسط .

كذلك الوضع بالنسبة لإيران التي دعمت النظام السوري منذ البداية , ولا شك في صعوبة خروجها من دائرة الصراع دون مكاسب , وتركيا التي تشرع وجودها وتدخلها في الارض السورية تحت صفة حماية امنها القومي , وبكل تأكيد هناك اطراف عربية واوربية تعمل على نيل ما يمكن الحصول عليه من مكاسب من هذا الصراع. يضاف الى ذلك اولئك اللاعبين الثانويين العابرين للحدود الوطنية من تجار السلاح ووكالات الاستخبارات العالمية وغير ذلك.

على ضوء ذلك يتضح بان تلك القوى الدولية – اقصد الرئيسة منها – سالفة الذكر ستعمل في مقبل الايام على تسريع حسم خلافاتها وتضارب مصالحها في محافظة ادلب السورية , بحيث يمكن القول بان ما تبقى من العام 2018 ستكون فترة التحركات السياسية والدبلوماسية الاهم والابرز حولها , وبتصوري ان استحالة نجاح المعارضة السورية المدعومة من تركيا وبعض القوى الدولية والاقليمية في هذا الوقت سيزيد من قوة الاوراق الرابحة للنظام السوري من جهة , وقوة الجبهة الروسية الايرانية من جهة اخرى . على ان ذلك لن يعني ان تركيا ستخرج دون حصولها على مكاسب سياسية وامنية من هذا الصراع على اقل تقدير . وهو ما سيتضح من اجتماع متوقع اليوم بين كل من الرئيس بوتين و الرئيس التركي اردوغان .

الا انه وفي حال فشل هذا الاجتماع , فان المسالة ستتعقد كثيرا على الارض بالنسبة لتركيا والمعارضة , حيث ان النظام السوري سيدفع باتجاه التدخل المسلح وحسم الصراع بالقضاء على المعارضة بدعم ايراني روسي , في وقت لا اعتقد فيه ان من مصلحة تركيا الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع كل من روسيا وايران والنظام السوري دفاعا عن المعارضة . بالتالي ليس من صالحه- اي اردوغان – اطالة امد الصراع , خصوصا ان النظام السوري اليوم في اوج قوته ونفوذه , وهذا ما سيجعل اردوغان باعتقادي يميل اكثر الى حسم الامر بالطرق السياسية والدبلوماسية , والابقاء على المناطق الحدودية التي يسيطر عليها على الحدود التركية السورية ليتم حسم تداخل المصالح الامنية والسياسية حولها الى وقت لاحق عبر اتفاقيات امنية ومعاهدات حدودية بين النظام التركي والنظام السوري .

الا ان الخوف في جانب اخر يكمن من الولايات المتحدة الاميركية وبعض القوى الدولية المستفيدة من الفوضى , والتي هي الاخرى تبحث لها عن مكاسب من هذا الصراع , حيث يمكن ان تثير بعض الفوضى او تتدخل باتجاه اطالة امد الصراع عبر عملية استخباراتية يمكن ان تقضي على الاستقرار والسلام في المحافظة , خصوصا ان احد اطراف المواجهة والصراع في ادلب هو الحليف الايراني الذي تتواجه معه الولايات المتحدة في معركة اخرى , هي الملف النووي الايراني , وليس من صالح امريكا كذلك ان يكون لإيران اي توسع في النفوذ في الاراضي السورية . على ان ذلك يمكن ان يحسم بسيطرة النظام على محافظة ادلب بشكل كامل , بحيث لا يكون امام الولايات المتحدة الامريكية غير القبول بالأمر الواقع على الارض , وهو جانب تدركه كل من روسيا وايران والنظام السوري .

هكذا تم تحويل محافظة ادلب السورية الى اكثر مناطق العالم فوضى وصراع على تقاسم المصالح والنفوذ بين القوى الدولية والاقليمية الشرق اوسطية القائمة في القرن 21.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق