بقلم رئيس التحرير

أبعاد عضوية إسرائيل في التحالف الدولي لحماية الملاحة البحرية في مضيق هرمز

لم يكن مستغربا أن تقدم الولايات المتحدة الأميركية الدعوة لإسرائيل للمشاركة في مشروع التحالف الأميركي لحماية الملاحة في مضيق هرمز، والذي يعتبر أقرب ما يكون إلى إعادة تشكيل ورسم مشروع استعمار بحري غربي جديد في القرن الـ21 عبر البوابة البحرية الكبرى للنفط العالمي من جهة، وإلى فكرة مرنة لإعادة تشكيل القوى المتنافسة في المنطقة من جهة أخرى، حيث تعد هذه الدعوة بمثابة تأكيد على قوة ومكانة اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة الأميركية، وإلى استمرار السيطرة الإسرائيلية على مصادر صناعة القرار السياسي والأمني الاستراتيجي الأميركي، فلا أتصور أن أمرا كهذا يمكن أن تمرره إسرائيل دون أن يكون لها دور في أمر كانت تسعى إليه منذ عقود طويلة، الأمر الذي يعد اعترافا ضمنيا بالوجود البحري الإسرائيلي في منطقة لا تحتاج إلا إلى شرارة صغيرة لتشتعل، في ظل هذا الكم الهائل من الأسباب المحفزة على الصراع والفوضى وعدم الاستقرار السياسي والأمني في منطقة الشرق الأوسط عموما. صحيح أن إسرائيل أكدت على أن مشاركتها ستقتصر على الجانب الاستخباراتي، وهو أمر أتصور أنه يتم بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية كما هو معتاد، إلا أن هذا الأمر بحد ذاته يعد بمثابة فتح ثغرة تمكن إسرائيل من المزيد من التوسع الفعلي والوجود الواقعي في مناطق لم تكن قادرة على الولوج إليها بهذا الانكشاف والوضوح والصراحة، بل والتعاون الواضح والرسمي مع العديد من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الدولية في المنطقة.
قد يقول قائل إن إسرائيل موجودة أصلا في هذه المنطقة بحكم وجودها الجغرافي والاستخباراتي، وبالتالي فإن هذه المشاركة في هذا المشروع لن تزيد عن كونها امتدادا طبيعيا لهذا الحضور القائم أصلا لإسرائيل في المنطقة.
فنقول: إن هذا الحديث صحيح إلى حد ما. ولكن سيكون لهذا المشروع إن شاهد النور يوما أثر بالغ في تمكين إسرائيل من جهات مختلفة، وهذا الأمر بحد ذاته يعد انتصارا معنويا ونفسيا لم يكن ليتحقق بهذا الشكل، لولا وجود مثل هذه المشاريع والتوجهات السياسية والأمنية الغربية الاستعمارية للمنطقة. وكذلك بسبب الخلافات السياسية وتضارب المصالح الاستراتيجية بين دول المنطقة. ومن أبرز آثار التمكين لإسرائيل الجوانب التالية على سبيل المثال:
1- التأكيد على الدور الأمني الإسرائيلي في المنطقة، باعتبار أن إسرائيل دولة من دولها، وهو ما يعني أن إسرائيل وبشكل رسمي وباعتراف جميع الدول التي ستدخل ذلك التحالف، تعد جزءا لا يتجزأ من أمن المنطقة، بل ولها دور لا يقل أهمية عن أدوار دور المنطقة نفسها في حمايتها من الأخطار المختلفة، وهو جانب مهم للغاية في تعزيز الشعور الإسرائيلي بالاندماج والتقارب وتفكيك العزلة النفسية على أقل تقدير.
2- ستعد هذه المشاركة بمثابة رسالة أميركية ـ غربية لإيران خصوصا، وهي أقرب إلى الرسالة الاستفزازية، بأن إسرائيل دولة من دول المنطقة، بل وأكثر من ذلك بكثير، فوجودها في هذا التحالف الذي يرتكز حول تأمين الملاحة في المنطقة وخصوصا في المناطق المجاورة لإيران، يعزز دورها الرقابي على دول المنطقة أصلا وعلى رأسها إيران.
جانب آخر مهم ومن الضروري التطرق إليه في هذا السياق، وهو الاعتقاد الأميركي أن الوجود الإسرائيلي الاستخباراتي في قضايا منطقة الشرق الأوسط عموما ومن ضمنها الملف النووي الإيراني وتأمين الملاحة في مضيق هرمز يعد بمثابة نجاح وجائزة استخباراتية كبرى لمصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية في المنطقة، وبالتالي فإن مثل هذه المشاريع والتوجهات السياسية “المفتعلة” سيكون لها أهمية بالغة للأمن القومي الأميركي، وكذلك للمصالح الجيوسياسية الأميركية في المنطقة، وهذا خطأ استخباراتي استراتيجي دائما ما تقع فيه الدولة العظمى.
وما يؤكد هذا الجانب أن التاريخ السياسي المشترك بينهما يعد أكبر دليل على ذلك، وهناك من الوقائع والشواهد التاريخية التي تثبت أن الوجود الإسرائيلي الاستخباراتي في قضايا المنطقة لم يكن ليكون أبدا في صالح الولايات المتحدة الأميركية ولا حتى في صالح الاستقرار والأمن في المنطقة، بل هو في صالح إسرائيل وحدها، وما مساعدة إسرائيل لمصالح الولايات المتحدة في حرب 1990-1991 ضد الغزو العراقي للكويت إلا واحدة من الأمثلة والشواهد التاريخية على ذلك، هذا ان كان الأمر فعلا يمكن أن يطلق عليه مساعدة أو تحالف إسرائيلي، بينما هو في الحقيقة مجرد لعبة يمكن أن يطلق عليها “ألا تفعل شيئا”.
وفي هذا السياق يقول العضو السابق في الكونجرس الأميركي بول فندلي معلقا على مشاركة إسرائيل في الحرب المتعلقة بغزو العراق للكويت إن: (المسؤولين الأميركيين أدركوا بسرعة أن إسرائيل عقبة كبيرة لا ركيزة وقد اضطرت الولايات المتحدة إلى إرسال مسؤولين كبار إلى إسرائيل ليوضحوا لها بأنها غير مقبولة كشريك في مجهود الولايات المتحدة الدولي، وكان ذلك بسبب الشكوك الكبيرة في احتمال أن تستغل إسرائيل الحرب لتعزيز مصالحها التوسعية الخاصة بها، ولأن مشاركتها تهدد حلف البلدان العربية الذي شكلته واشنطن وفي النهاية دفعت الولايات المتحدة غاليا لإبقاء إسرائيل خارج الحرب بمنحها المزيد من المساعدات)( 1)
على ضوء ذلك وغيره من الأمثلة التاريخية، يمكن التأكيد على أن فكرة الزج بإسرائيل في التحالف الذي يراد له أن يحقق من وجهة النظر الأميركية أمن الملاحة في مضيق هرمز لن يكون سوى خطوة أميركية سياسية استخباراتية استفزازية لبعض دول المنطقة وعلى رأسها إيران، وكذلك خطأ استراتيجي سينعكس سلبا على ثبات واستمرار وقوة التحالف أن تشكل أصلا، أما من جانب آخر فلن يحقق سوى مصلحة إسرائيل وحدها في تحقيق مزيد من الاندماج والتأقلم والتطبيع والقدرة على التوسع اللوجستي والاستخباراتي في المنطقة.
ـــــــــــــــــ
مراجع
1 ـ بول فندلي , الخداع – جديد العلاقات الاميركية الاسرائيلية – ترجمة : د. محمود يوسف , شركة المطبوعات للتوزيع والنشر , بيروت / لبنان , ط1 / 1993 , ص 267

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



إغلاق